الشريط الإعلامي

السياسة الأمريكية التركية بين شد وجذب

آخر تحديث: 2018-08-18، 07:03 am
هاني طاشمان

منذ فترة ليست بالبعيدة كانت تركيا من اكبر الحلفاء للولايات المتحدة الأمريكية، وقد لعبت دورا بارزا في اللعبة الأمريكية في سوريا حيث فتحت تركيا كامل حدودها على مصراعيها لدخول المقاتلين الأجانب (وعلى رأس هؤلاء المقاتلين الدواعش) بعدتهم وعتادهم لمقاتلة قوات النظام السوري، وعاثوا في الأرض فسادا من خلال تفاهمات تركية أمريكية إسرائيلية، في مقابل حصول تركيا على امتيازات إستراتيجية على طول حدودها الجنوبية في سوريا، وتصفية الوجود التركي وإضعافه في شمال سوريا، إضافة إلى حوافز اقتصادية حصلت عليها تركيا في تجارتها مع الغرب وأمريكا، ولكن في أعقاب التمرد الفاشل الذي قام في تركيا على يد عبد الله جولن تحولت قواعد اللعبة بعد توتر بالعلاقات التركية الأمريكية سيما بعد أن رفضت أمريكا تسليم زعماء الانقلاب التركي، الأمر الذي أدى إلى تغيير بوصلة السياسة التركية تجاه روسيا خاصة وان تركيا تربطها بروسيا علاقات اقتصادية كبرى، وهذه بدورها شهدت توترا كبيرا خاصة بعد إسقاط تركيا لمقاتلة روسية قرب الحدود التركية السورية، الأمر الذي أدى إلى غضب روسي وفرض عقوبات اقتصادية قاسية على تركيا، الأمر الذي انتهى إلى ركوع أردوغان أمام القيصر الروسي معترفا بخطئه ومبديا اعتذاره عما حدث، وعودة المياه إلى مجاريها ليس هذا فحسب بل انتهت إلى توقيع اتفاقيات وتفاهمات تركية روسية حول سوريا ودخول تركيا في حلف روسي إيراني وتحول السياسة التركية من عدو للحلف الروسي الإيراني إلى حليف حميم وتعاون كبير أدت في نهاية المطاف إلى ضبط تركيا لحدودها الجنوبية مع سوريا لتجفيف منابع الإرهاب القادم عبر أراضيها إلى سوريا . إضافة إلى موافقة تركيا على تفاهمات خفض التوتر في بعض المناطق السورية والعمل على تطبيقها وإقناع حلفائها من المعارضة المسلحة على الانصياع لها.

نلاحظ مما سبق أن تركيا كانت تلعب دورا مؤثرا في سوريا بالتحديد، وان هنالك تجاذبات روسية أمريكية لاستقطاب تركيا، ولهذا وبعد أن آلت الأمور إلى انضمام تركيا إلى الحلف الروسي الإيراني، فقد وجب عقابها، ونظرا لهشاشة الاقتصاد التركي وتأثره الشديد بالسوق العالمي بالرغم من النمو السريع للاقتصاد التركي الذي كان يتغنى به اردوغان وحزبه الحاكم، وهذا الشيء الذي أوصله إلى رئاسة تركيا وتحويل النظام التركي إلى نظام رئاسي، إلا أن الأحداث أثبتت أن هذا الاقتصاد هش للغاية، وقد رأينا ذلك إبان الأزمة الروسية التركية، ونلاحظ ذلك الآن مع الأزمة التركية الأمريكية، وانهيار الليرة التركية بعد أن فرضت أمريكا رسوم باهظة على المنتجات التركية في السوق الأمريكية، ويبدو أن الأزمة في بدايتها، صحيح أن الإجراءات التركية قد أدت إلى بعض التعافي في سعر الليرة التركية إلا أن الأزمة يبدو أنها ستسير إلى ابعد من ذلك وهي بمثابة حرب اقتصادية واضحة المعالم بين تركيا وأمريكا، واعتقد بأن الأمور ستسير إلى مزيد من التدهور الاقتصادي في تركيا.

لقد كان هنالك موقفا قطريا مشرفا تجاه حليفتها تركيا التي وقفت سدا منيعا وبشكل سريع جدا في بداية الأزمة الخليجية، وأرادت قطر رد المعروف والجميل لصديقتها تركيا من خلال ضخ حوالي خمسة عشر مليار دولا في السوق التركية لدعم الليرة التركية، إلا أن ذلك لن يستمر، فسياسة ترمب الذي يبدو أنه بالفعل رجل سوق واقتصادي من الطراز الأول يحول بوصلة الحروب من حروب عسكرية إلى حروب اقتصادية مدفوعا بشعبية عارمة في الولايات المتحدة حيث بدأ الأمريكيون يلمسون نتائج سياسة ترمب على اقتصادهم، هذه السياسة التي أزعجت كل من الأوروبيين والصين اللذين تأقلما إلى حد ما مع سياسة ترمب الاقتصادية، خاصة قضية استيراد المواد الصلب والألمونيوم وقضية العقوبات على كل من يتعامل مع الشركات أو الاقتصاد الإيراني،

فالصين سارعت إلى إعلان تقليص استيرادها من النفط الإيراني بنسبة 50 % ، وأوروبا سارعت باتخاذ إجراءات وقائية للتخفيف من وقع الأزمة على شركاتها التي تتعامل مع إيران، والآن يبقى الموقف التركي الذي لا يزال واقفا ورافضا للإجراءات الأمريكية ضده.

تركيا من جانبها تريد التفاوض مع أمريكا، لأنها تشعر بأن المصلحة التركية تقتضي عدم التأزيم، وتدرك بأن حجم الخسائر التي ستلحق بها ستكون اكبر، وتحرص على فتح قنوات للحوار مع الأمريكان، ومن جهته يدرك ترمب بأن تركيا في النهاية ستركع للسياسة الأمريكية وتقوم بإطلاق سراح القس الأمريكي المحتجز لديها كبادرة حسن نية، وللحفاظ على ماء الوجه سيقوم القضاء التركي بتبرئة هذا القس من التهم الموجهة إليه وترحيله إلى بلاده في مقابل أن تتوقف الولايات المتحدة الأمريكية عن اتخاذ مزيدا من العقوبات الاقتصادية عليها. خاصة وأن أمريكا تمتلك أقوى اقتصاد عالمي ومؤثر على اقتصاديات دول العالم.

فهل سينجح أردوغان من إنهاء هذه الأزمة؟

في الحقيقة نعم فالرئيس التركي قادر على الخروج من هذه الأزمة بأقل الخسائر على المدى القريب، ولكن للأسف ستلقى تركياتراجعا ملموسا في سوريا والشرق الأوسط وستتقلص سياساتها وطموحاتها في الشرق الأوسط سواء كان ذلك في سوريا أو في غزة التي تعبر الآن بوابة صفقة القرن التي ستفرض على كل العرب لضمان يهودية فلسطين وتحويلها إلى وطن قومي لليهود كما جاء في وعد بلفور عام 1917م، وحليفتها إيران أيضا سيتقلص وجودها في سوريا بعد التفاهمات الأمريكية الروسية قبل يومين التي تنص على إخلاء سوريا من القوات الإيرانية المتواجدة على الأرض السورية، الأمر الذي سيؤدي إلى انتهاء المصالح الإيرانية التركية في سوريا وعودة التوتر بين تركيا وإيران كسابق عهدها لانتهاء مبررات وجود التعاون والمصالح المشتركة بين الطرفين في سوريا.