الشريط الإعلامي

كيف نتجنب «ثورة مضادة» في الأردن؟

آخر تحديث: 2018-06-13، 07:51 am

اخبار البلد-

بسام البدارين


يثير التغيير الشعبي والرسمي الأخير في الأردن من الهواجس والمخاوف بالقدر نفسه الذي نجح فيه في «إخماد» جبال من السلبية والإحباط عندما زرع «أملا جديدا» في الناس بعدما أظهر الأردنيون أحلى وافضل ما لديهم في سياق «الإعتراض الوطني» والاحتجاج السلمي المنتج.
في الوقت نفسه أظهرت القوى الأمنية أفضل ما لديها من الصبر والاحتمال والتعاطي الناعم مع أحداث خطفت أضواء الإعلام الكوني.
ثمة هواجس وتساؤلات بالتأكيد لكنها برأيي الشخصي من النوع الذي يراوح بين الارتياب سياسيا بأن الإيجابيات المدهشة التي حصلت مؤخرا من الشارع والدولة قد لا تعود أكثر من»سيناريو احتواء جديد» لحركة احتجاج محتقنة على بوصلة المعيشة والاقتصاد وبين الشعور بـ «يقين التغيير».
من الصعب الحكم على الأمور اليوم لكن الحالة الوحدوية بين الأردنيين ودولتهم وقيادتهم أصبحت فورا «ورقة إقليمية رابحة» يمكنها أن تعزز المصالح وتعيد إنتاج الدور وتعزز القناعة بالاستقرار العام في الوقت نفسه ما لم تتمكن قوى الشد العكسي من إعادة التموقع والتشكيل في سياق سيناريو حراك مضاد للحراك.
وبما أنها ورقة رابحة قد تتحول ببساطة إلى ورقة خسارة فادحة إذا تمكن الانتهازيون بمعية قوى الشد العكسي من إحباط المنجز وتمرير ما يجري على أساس أنه مرحلة ضمن سياسة احتواء فقط الأمر الذي نحذر منه هنا وبقوة لأن تداعياته ستكون وخيمة بسبب أزمة المصداقية التي يقر بها الجميع بين الجمهور والمؤسسات والأهم بسبب ضرورة عدم الاستسلام لبهرج اللحظة والارتهان إلى أن الضغوط على البلد توقفت أو لن تعود.
مثل هذا النقاش يعيدنا لتقييم المشهد المحلي فقد قلنا من البداية بأن رئيس الوزراء الجديد الدكتور عمر الرزاز رجل «صلب وجدي» لكن نخشى عليه وعلينا من «نزق الانسحاب» إذا لم تتعاون «المفاصل» معه وأشك بأن تفعل حتى اللحظة على الأقل.
أهم وأخطر ما في «مشهدنا الأخير» كأردنيين هو تلك الرسالة التي تقول بأن التجاوب مع «الشارع» ليس بالضرورة أن ينتهي بالدولة والنظام في أحضان المشروع الإسرائيلي أو الإخواني أو في أحضان شريحة كما روج لعقود كبار «الحواة » من سياسيي الترقيع والصدفة وخصوم الديمقراطية والإصلاح السياسي.
العكس تماما يمكن أن يحصل وحصل فعلا.: الأمني يحتضن الشعبي ..والشعبي يهتف للأمني و«الجميع يكسب» باستثناء الانتهازيين وخصوم النجاح وتجار «الوطنية» وشريحة«الملكيين أكثر من الملك».. هؤلاء كثر في الخارطة وهم الآن المطلب التالي للشارع وللرزاز.
المشهد الوطني الأردني الأخير يستوجب الاحتفال ويثير الطمأنينة أكثر من أي وقت مضى.
لكن السؤال الذي يلتهم رأس كل مراقب بدون جواب عليه بعد: القرارات السياسية كانت «بسيطة للغاية» فلماذا تراكم الإحباط والخوف أصلا؟..ما دامت القصة «اتصال هادئ ومحترف وتفاوضي» مع صندوق النقد الدولي والدول المعنية وأداء أمني وطني وتغيير وزاري اعتيادي…ما دامت القصة أصلا ضمن «الممكن الأردني البسيط والمألوف» لماذا حصل كل ما حصل؟
أقدر بأن الجواب على سؤال ساذج من هذا الصنف مهم وأساسي …»حتى نفهم» و… حتى نصدق» بأن قواعد اللعب الجديدة ليست بحد ذاتها مجرد «لعبة جديدة» متذاكية وعلى قدر «الاحتواء».
تعب الأردنيون حكومة وشعبا من الاسترسال في «لعبة الاحتواء» ويستحقون اليوم وبصفحة بيضاء تدشين ورشة عمل «البناء» على أساس مصارحة ومصالحة وطنية شاملة وضمن قواعد إدارة نظيفة هذه المرة خالية من اللف والدوران والالتباس ومشاريع «جدع الأنف» وتأخير المكاشفة.
أي عملية بناء بروح إيجابية تصل بعد طول انتظار واحتقان إلى مستوى مهمة صعبة ومعقدة لكنها ليست بسيطة أو مستحيلة وشعب الأردن الطيب قال كلمته وها هي دولته تقول كلمتها الآن بصيغة كنت من قلبي أتمنى أن لا تكون «مضطرة» وتبرز في توقيت مناسب للجميع حتى لا نعيش مجددا أجواء «ثورة مضادة على منجز الحراك الشعبي السلمي الحضاري».
من جانبي وكمراقب سأصدق ببساطة ما أرى فقط وبالتدريج والقطعة ولست في عجلة من أمري وأول خطوة في «الإصلاح الحقيقي» تبدأ من عند أولا «طاقم وزاري»، وثانيا« ولاية عامة»، وثالثا انتخابات نزيهة ولو لمرة واحدة فقط على أساس «التجربة»، ورابعا وقد يكون الأهم «إخضاع أو خضوع» الجميع في الدهاليز إياها للترتيب الجديد الذي نشده «اللي تحت» فوافق عليه سكان الطبقة العليا وفقا لمضمون الرسالة الأولى التي وجهها شباب حراك الدوار الرابع ومن ليلتهم الأولى للعاهل الأردني عندما قالوا: «سيدي طلبت منا… ها نحن نضغط من تحت وتولى أنت اللي فوق».
عمليا حصل ذلك فعلا فقد عبرت المؤسسة الملكية عن احترامها وتقديرها لـ «نضج» الحراك وصدر الغطاء السياسي للقرار الذي أنهى الحراكات حيث رحلت حكومة التأزيم وكلفت شخصية وازنة برئاسة وزارة جديدة.
نأمل أن نتجاوز بعد ما حصل مشاريع بدأت رائحتها مبكرا تحت عنوان الثورة المضادة فالموقف لا يحتمل ولا يوجد ما يشكل خطرا أصلا على النظام والدولة.
إلى أن يحصل ذلك لابد من التذكير ببعض الضرورات حيث نأمل أن تتوقف بعد اليوم مقولة«حكومة القصر» لأن القصر لنا كمواطنين وللجميع والحكومة لإدارة شؤون الناس فقط .
وأن تتوقف كذلك وبلا رجعة تجربة «حكومات الظل» ليس حتى تعمل الحكومة الدستورية ولكن حتى نستطيع ويستطيع المرجع محاسبتها ويشمل ذلك كل النخب التي تمارس عمل الحكومة بدون وضع شرعي يخضعها للمساءلة دستوريا وملكيا وبرلمانيا وشعبيا. تلك اشتراطات ضرورية للعبة جديدة …