الشريط الإعلامي

محتوى ومعنى جديد للجغرافيا

آخر تحديث: 2018-03-08، 07:36 am
ابراهيم غرايبه



تواجه خريطة العالم اليوم سواء بمعناها الجغرافي أو السياسي تحديات جديدة مختلفة عما كانت عليه الحال عقب الحرب العالمية الأولى، فمعلوم أن التشكيلة السياسية والجغرافية القائمة اليوم هي إحدى نتائج الحرب العالمية الأولى والمؤتمرات واللقاءات التي أعقبت هذه الحرب! وبعد التحولات الكبرى والمهمة التي حدثت في البلقان وشرق أوروبا وآسيا الوسطى ثمّة إشارات وتحولات وظواهر كثيرة تؤشّر (ربما) إلى جغرافية سياسية جديدة في العالم؛ مجيء دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، وتراجع حلف الأطلسي والتحالف الأوروبي الأميركي، والانفصال البريطاني عن الوحدة الأوروبية، والتحولات السياسية في كوبا، وتداعيات الأحداث والصراعات في دول عربية عدة مثل العراق وسورية وليبيا واليمن،.. وإذا أضيفت إلى ذلك تداعيات العولمة والتحولات المصاحبة لتقنيات الحوسبة والاتصال، فإن ذلك يفتح المجال لتخيّل عالمٍ جديدٍ ينشأ، ويبدو للجغرافيا فيه معنى جديد أيضاً، وإن لم تتشكل خريطةٌ سياسيةٌ جديدةٌ، فإن العلاقات والتحالفات والصراعات قد تمضي في اتجاهات جديدة.
يبدو الشرق الأوسط متجهاً إلى العزلة والتراجع الاقتصادي. وبطبيعة الحال، تراجع أهميته السياسية والجيوسياسية، ولن يكون مفاجئاً أن تدعم روسيا دوراً أوروبياً، وخصوصاً لألمانيا، في الشرق الأوسط، يواجه الدورين التركي والإيراني المقبلين أو يشارك فيهما. وتستعيد روسيا بذلك أفقها الجغرافي مع أوروبا، وتبدو روسيا في المشهد الجديد تلتقط أنفاسها، وتعود إلى مسرحها التاريخي الجغرافي، وتنظر في حساباتها القادمة، فهي تكسب البرازيل، وتعزّز فرصتها مع الهند والصين وتركيا، وربما تمتد شراكتها وتحالفاتها إلى أوروبا، إذا انسحبت الولايات المتحدة بالفعل من حلف الأطلسي. لكن، هل يعقل أن تعزل الولايات المتحدة نفسها عن أوروبا والشرق الأوسط، وتكتفي بمجالها في أميركا اللاتينية وشرق آسيا ..وربما إيران؟ وتبدو الهند تبحث عن موقعٍ جديد يتجاوز الشراكة الاستراتيجية مع روسيا أو الولايات المتحدة. فهي تنظر إلى نفسها دولةً عظمى، تقود محوراً عالمياً مستقلاً، وترى جنوب آسيا والمحيط الهندي وبحر العرب مجالاً حيوياً رئيسياً.
ربما يكون المشهد الجيوسياسي الجديد ليس قائماً على قواعد الصراع التي ألفها العالم، لكنه تنافس سياسي واقتصادي جديد، تنشئه التقنيات والموارد الجديدة، فالتقنية الجديدة تعني موارد جديدة وأسواق أعمال جديدة. وبطبيعة الحال، أوضاعاً اجتماعية وسياسية وثقافية جديدة... كانت حركة الإصلاح الديني في أوروبا في القرنين الخامس والسادس عشر والثورة البريطانية (1688) من المتواليات الاقتصادية والاجتماعية للمطبعة وآلات النسيج! وكان الربيع الأوروبي (1848) المؤسس للديمقراطية الأوروبية الحديثة من متواليات الآلة البخارية. والثورة الشيوعية في روسيا (1917) كانت من متواليات الكهرباء وسكة الحديد. والثورتان الفرنسية (1789) والأميركية (1776) كانتا من متواليات التحول الاجتماعي والسياسي المصاحب لتطور إنتاج الملح. وكان انهيار الشيوعية والاتحاد السوفياتي (1989) مصاحباً لتطور تقنيات الحاسوب والإعلام، كالبث الفضائي والفاكس. وكان الربيع العربي (2011) من متواليات الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي.
هل يمكن التصدّي لحراك التقنية وما يصحبها من تحولات؟ يقول التاريخ لا يمكن، بل يزيد ذلك الأزمات والخسائر، لقد غيّرت تقنيات الحوسبة والاتصالات في اتجاهات الصراع، بدلاً من أن تكون خارجيةً بين الدول والأقاليم، لتكون داخليةً وأهلية، وسيكون مفتاح الخروج من هذا الصراع أن تحاول الشعوب إدارة صراعاتها وتنافسها على تنظيم الموارد والفرص والخدمات على نحو سلمي، ففي هذه القدرات الجديدة التي تمتلكها الشعوب تعيد من جديد تشكيل خريطة العالم وعلاقات الدول والأقاليم وصراعاتها.. فهل أعطت الكوارث التي حلت في الشرق العربي وأفغانستان والصومال للشعوب والدول الكبرى والمؤثرة أن تعيد النظر في تنظيم الصراع؟