الشريط الإعلامي

حيرة الأردنيين.. بين الاحتجاج والسكوت

آخر تحديث: 2018-03-05، 07:42 am
احمد ابو خليل



مرت أزمان كثيرة وطويلة، كان فيها المحتجون عموماً، ضد أي سلطة، يحوزون لصالحهم، وبلا نقاش، على القيمة الأخلاقية. بمعنى أنك كنتَ بمجرد أن ترى محتجاً أو تسمع باحتجاجه، فإنك تميل إلى تأييده ضمناً أو علناً. إنه شجاع ومبادر ومستعد للتضحية...الخ.
كان المحتجون قلة، ولكن الآخرين كانوا ينظرون إليهم بتقدير ومهابة حتى لو أخفوا ذلك أو حتى لو أفصحوا عن عكسه، بل إن أغلب المحتجين كانوا يحظون باحترام مستتر حيناً ومفصح عنه حينا آخر، من قِبَل خصومهم المباشرين.
اليوم، وحتى تتمكن من تشكيل موقفك من الاحتجاج والمحتجين، فإنك تضطر لتوجيه كثير من الأسئلة لنفسك ولزملائك ولشركائك، وهذا في الواقع ما يحصل حتى في أوساط المحتجين أنفسهم، وهم على رأس احتجاجهم، فكل منهم يريد أن يسمع من غيره تأييداً أو طمأنة أو دفعاً لهواجس ومخاوف أو تأكيداً لها.
أرجو من القارئ العزيز، الذي ما يزال مواصلاً القراءة حتى الآن (مع أو من دون استثقال دم هذه الكلمات)، أن يتحملني، على الأقل أو على الأكثر، حتى نهاية المقال.
فقد شهدتُ خلال أربعين عاماً مضت مئات الاحتجاجات من شتى الأصناف، مشاركاً أو متفرجاً أو خائفاً أو هارباً، ولكني لم أشهد هذا النوع من الحيرة عند المحتجين أنفسهم، ولا عند مراقبيهم والمتفرجين عليهم، إلا في السنوات الأخيرة فقط.
في لحظة معينة قبل عامين أو ثلاثة في خضم ما أسميناه "الحراك"، تحولت حيرة الجمهور إلى موقف مشكك غير مصدق للمحتجين ولانفعالتهم، وذاكرتي مكتظة بمشاهد تؤكد ذلك، في مختلف المواقع والمدن على امتداد البلد كله. وكان محترفو الاحتجاج يبذلون جهودا لا تتوقف في تشكيل الهيئات واللجان والحراكات الفرعية ولجان التنسيق العليا والمركزية والميدانية، وفي رفع السقوف وتخفيضها، وتغيير الأدوات والوسائل، واعتماد الجد والوقار حينا والمزاح والضحك حيناً، ولكن الجمهور مرة واحدة توقف عن الاستجابة.
في تقديري أننا في الأردن، شهدنا كدول أخرى غيرنا، في سنوات "الحراك"، نوعاً من الصراع غير المسيطر عليه وطنياً. لقد فلتت خيوط السيطرة والتحكم في حركات الاحتجاج من "اليد الوطنية" المحتجة. وقد فوجئنا بسياقات ومواقف جديدة لأطراف وجماعات وأشخاص وهيئات ومنابر ونشطاء ومغرّدين و(مواقع وصفحات وغروبات على الفيس...)، دخلوا بقوة إلى عالم الحراكات الاحتجاجية، وبعضهم ختم عِلْم الثورة في ثلاثة أسابيع: انتظم، وانقاد، وقاد، وانشق.. ثم كتب أشعارا وذكريات عن غياهب السجون!
لكن الجمهور كان أكثر حذرا، وفي تقديري أنه كان في ذلك الموقف، ما يشبه الانتباهة الجماعية، وهي انتباهة إيجابية ووطنية، أسهمت بحماية البلد.
لقد تنفس المواطنون بعمق، وهم يرون نتائج انتباههم، ولكنهم في الواقع (ومن الطبيعي)، كانوا ينتظرون نوعاً من المكافأة أو الاعتبار أو على الأقل "الأخذ بالخاطر"! في السياسات اللاحقة، غير أن المؤسف أن الحكومة أي الطرف الثاني من عملية الاحتجاج، استأنفت استرخاءها، ويبدو أنها فسرت موقف الجمهور على هواها. في مظاهر الاحتجاج الحالية، في الشهر الأخير، وفي مجمل نقاش الناس، ما يزال هناك الكثير من الانتباه والحذر، لكن من الواضح أن الجمهور يحاول استعادة السيطرة الوطنية على موقفه وعلى مجريات احتجاجه، وهو ما يعني أن صورة "المحتج الوطني" أخذت تستعيد بعضا من حضورها... والله أعلم.