الشريط الإعلامي

 وجهاء ورموز عشائر السلط "يتفهمون" احتجاجات الأسعار ولا يريدون "المساعدة"

آخر تحديث: 2018-03-04، 09:52 am

أخبار البلد - أصبح التوقف التأملي اضطراريا عندما تعلق الأمر بالمداخلات التي قدمها بعض أبرز وجهاء وقادة الرأي في مدينة السلط الأردنية نهاية الأسبوع الماضي، خلال لقائهم مع المهمة الأخيرة لوزير الداخلية الأسبق الجنرال غالب الزعبي.

لغة كبار مدينة السلط الموجودين في الاجتماع بهدف احتواء تصاعد الاحتجاج بين الأهالي، على خلفية رفع الأسعار، كانت هادفة وعميقة، لا بل في بعض الأحيان تشكل نقطة فارقة في التأويل والتعليق، قد تتجاوز في أهميتها وعمقها مدينة السلط نفسها وما يجري فيها.

حضر اللقاء رئيس الوزراء الأسبق عبد الله النسور، الذي تهتف بعض الفعاليات ضده ما تهتف ضد الرئيس الحالي للوزراء الدكتور هاني الملقي.

عبر النسور بجملة هادئة عن حزنه لما يجري في مدينته التي وصفها أنها كانت تُعلّم الجميع الولاء والانتماء.

أركان السلطة الأمنية كانوا يترقبون شخصا محددا ليعرفوا موقفه في مجريات احتجاجات المدينة على رفع الأسعار والتي شهدت ولأول مرة سقفا غير مألوف في الاعتراض وفي توجيه الرسائل لما هو أبعد وأعمق من حكومة الملقي.

الأعين كانت تترصد عضو مجلس الأعيان وأحد أكبر الشخصيات المؤثرة في بنية السلط الاجتماعية وهو مروان الحمود.

تردد أن تعليق الحمود على مجريات الأحداث لم يكن متوقعًا إطلاقًا خصوصًا وهو يصف أبناء مدينته المحتجين بأنهم قامات اجتماعية مع تلميحه لرفض الخيار الأمني وانتقاده في الوقت نفسه لبعض الهتافات المسيئة التي لا ينبغي أن تستخدم حتى بعد صدورها للإساءة لمجتمع مدينة السلط. كان تعليقا بمثابة خطبة صغيرة يقول فيها الحمود ضمنيًا أنه لا يريد التدخل لمساعدة وزارة الداخلية في التصدي لانفعالات المحتجين على أساس ان المسألة برمتها معيشية.

شيخ آخر من وجهاء السلط هو سليمان النعيمات، قال كلاما صعبًا في إظهار الرفض لأي تعامل أمني وعقاب جماعي، وأظهر موجة ملموسة من التضامن مع المواطنين في مواجهة جنون الأسعار المرتفعة.

حصلت مثل هذه التعليقات في مقر الحاكم الإداري وفي الوقت الذي كانت موجودة فيه مصفحات قوات الدرك لحماية الأمن والنظام على أبواب المدينة كرسالة خشنة بعد تجاوز الخط والسقف الأحمر في الهتاف وبعد حصول أحداث محددة ذات بعد أمني.

يمكن ببساطة هنا تفهم الخطوة التي قام بها الوزير السابق غالب الزعبي عندما استمع ولمس ما يقوله أركان المجتمع في مدينته الأم. سياسيًا، ومن باب التحليل، من المرجح أن الزعبي في تلك اللحظة اتخذ أمرا بسحب قوات الدرك وألمح بغمزة بيروقراطية عميقة إلى أنه خرج من الحكومة وقبل مغادرته لها رسميًا.

ما حصل في هذا الحوار التفاعلي النادر مهم في إعادة إنتاج وتقويم فعالية مستوى الحوار الحقيقي بين مسؤولي الدوائر الرسمية الحاليين والقيادات الحقيقية في المجتمع، والتي تشعر أكثر فأكثر بأنها أبعد ما ينبغي.

موقف شخصيات من وزن مروان الحمود كان محيرا، وثمة من يرده إلى أن الخطأ الأول والأساسي حصل عندما اختير منزل شخص آخر، وليس مضافة الحمود نفسه للقاء وحوار ملكي سابق مع أبناء المدينة حيث إيحاء بتغيير العناوين والأبواب وموقف منزعج بوضوح من المفتاح الأكثر أهمية في مدينة السلط.

ثمة غاضبون في كل المدن والمحافظات، وثمة صناعة كانت دوما نشطة لإنتاج رموز جديدة في الواقع البرلماني والوزاري والسياسي والاجتماعي، على حساب رموز قديمة تميزت دوما بالكفاءة والخبرة العتيقة، وأسهمت في إدامة حالة التواصل بين الدولة والمجتمع لسنوات طوال. لا يبدو اليوم أن الوجوه التي يتم الاستعانة بها مرة باسم التحديث الاقتصادي وأخرى باسم برنامج الاصلاح السياسي، تقدم جهدا مفيدا في معالجة النقص الحاد في الحلقات الوسيطة الخاملة بين الدولة ومؤسساتها والأطر القيادية والناس والمواطنين والمجتمع.

ما حصل في السلط يبدو أنه رسالة لا تخلو من المناكفة، على أمل الاستدراك وليس تبديل الولاء للدولة. وقد حصل مثله مع شخصيات أخرى في مناطق شمال المملكة وفي بعض مناطق جنوبها، الأمر الذي ينبغي التوقف عنده، عند إجراء أي حسابات لها علاقة بالمستقبل، أو حتى بالوضعين الإقليمي والاقتصادي.

السلط عمليًا كانت قد بدأت الحراك الاحتجاجي في ملف الأسعار ولجأت إلى التصعيد، وبرغم وجود بعض الأصوات الحراكية المنطلقة من تصفية حسابات شخصية، إلا أن بعض الهتافات وجهت رسائل جارحة تخدش الولاء المعهود، ومن الصعب تجاهلها في الوقت الذي لا يمكن التصدي فيه لهتافات أو نشاطات سلمية الطابع لا غبار عليها.

ومشكلة السلط ليست بدعوات بعض شبابها بالعصيان المدني، ولا للتصعيد والهتافات، بل مشكلتها الأكبر في أنها بدأت تخاطب مدينة الكرك جنوب البلاد، وتطالبها بالتحرك ضد الأسعار، وهو أمر من المحظور تجاهله في المسار الوطني، عندما يحصل، لأن لكرك وبحكم وجود خبرات حزبية وسياسية عريقة وكبيرة وقديمة فيها، تحدث فارقا في ذهن الدولة وعقلها عندما تتحرك خلافا لبقية الاتجاهات والمحافظات، الأمر الذي يفسر عمليا الحرص على إرضاء أكبر قاعدة اجتماعية من عشائر الكرك بتمكينها من خمسة مقاعد وزارية مهمة على الأقل في التعديل الأخير.

التعديل لن يعالج الإشكال بالتأكيد، لأن مسألة الأسعار لا يوجد فيها وجهة نظر، ولأن الشكوى منها أفقية في المجتمع وليست عمودية.