الشريط الإعلامي

جوائز الرواية العربية ولجان تحكيمها

آخر تحديث: 2018-02-26، 08:22 am
أمجد ناصر
دعونا نرى ماذا تقدّمه جوائز الرواية العربية. تقريباً لا جديد. فهي إعادة إنتاج ما يطفو على سطح الكتابة العربية. وعندما يدير أعضاء لجان التحكيم للنقد الروائي الذي طاول عملاً معيناً، أو أكثر، ويختارون من لا يستطيع الكتابة الصحيحة باللغة العربية، لا أقصد نحوا وصرفا وإملاء، وإنما التركيب النحوي للجملة، فهذه ليست أكثر من رسالةٍ كوميدية، أو إخراج لسان طويل لما يعنيه الأدب. أي ما يعنيه كعمل فني، تركيبي، وليس محاكاةً للواقع.
مثلاً، في القائمة القصيرة الأخيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر) مزيج عبثي بين الاسم الطافي على السطح والاسم المجهول. لكن النتيجة واحدة: البحث عن الواقع في الرواية. البحث عن "الحدّوتة" (ليس الحكاية حتى). هل أثارت هذه النتيجة جدلاً؟ كلا. ربما تساءل بعض المغاربة عن غياب الرواية المغربية، وربما وجد مصريون أن حضور الرواية المصرية، في القائمة الطويلة، لا يتناسب مع حجم الإنتاج الروائي المصري ونوعيته. هناك من تساءل، في وسائل التواصل الاجتماعي، عما يعنيه وجود أربع روايات فلسطينية دفعة واحدة في القائمة. كم رواية فلسطينية صدرت في العامين الماضيين، حتى تتأهل أربع منها إلى "أرفع" جائزة روائية عربية؟ طبعا لا يعرف المتسائلون أن قوانين الجائزة لا تحدد عدداً معيناً من الروايات لبلد عربي بعينه. ليست هناك مثل هذه المحاصصة بين البلدان العربية. لا وجود لشيءٍ كهذا. لكن دعونا نأخذ آخر دورة لجائزة "مان بوكر" البريطانية التي اقتبسناها مثلما نقتبس الأفلام والمسلسلات والبرامج التلفزيونية، من دون أي إضافة إبداعية. في دورة العام الماضي، وصلت إلى القائمة الطويلة لـ "مان بوكر"، بعد فتحها لمن يكتب بالانكليزية بصرف النظر عن بلده، أربع روايات أميركية، واعتبرت "غزواً"! أربع روايات فقط من قارة عدد سكانها 323 مليون نسمة، وفيه أكبر صناعة ترفيه سينمائي وتلفزيوني (قائمة على كتابات روائية وقصصية، أو مكتوبة مباشرة للسينما). هذه مقارنة ترينا كم يصعب أن تكون فلسطين قد أنتجت مئات الروايات، لتقفز أهم أربع منها إلى القائمة الطويلة.
هنا نتذكّر صرخة محمود درويش: ارحمونا من هذا الحب القاسي! لا أسباب "تخفيفية" في العمل الإبداعي. هذا ما رفضه، بصرخة حادة، محمود درويش في ذروة صعود "شعر المقاومة" الفلسطيني. قال للعرب: الشعر شعر، والقضية قضية. يتذكّر القراء أن هناك رواية فلسطينية لاقت صدىً نقدياً جيداً، وأثارت جدلاً في نقدها النخبة الفلسطينية، وتجرأت على تابوهات هي: "جريمة في رام الله" للكاتب الفلسطيني الشاب عبّاد يحيى الذي تعرّض لدعاوى قضائية وهجوم سياسي من جماعة السلطة الفلسطينية. أين هذه الرواية في "الخيارات الفلسطينية"؟ لِمَ لم تكن بين خيارات اللجنة في القائمة الطويلة؟ يتحدث بعضهم عن تسييس الجائزة. شخصياً، لا أظن. لكن أكثر من واقعةٍ تشير إلى أن شيئاً من هذا حدث. ليس بالضرورة أن يكون دافع الإقصاء سياسياً محضاً. قد يكون جرأةً في الطرح. مثلما حدث، مرة، مع روايةٍ للكاتبة اللبنانية علوية صبح. هل هناك "تجنّبٌ" للجرأة، لكسر التابو يطبع الاختيارات؟ أظن ذلك.
الجوائز العربية، عموماً، محافظة. تعطيها جهاتٌ محافظةٌ مهما ادّعت الانفتاح. تخشى الهيئات العربية "المانحة" جدلاً قد يطاول الدين، أو نخبة بلد عربي ما، أو قد يطاول البنى الاجتماعية "المتفق" عليها: العائلة، الجنس وميولاته "المتفَّق" عليها أيضاً. أيُّ كشفٍ للمتوارى، أو المسكوت عنه، في هذه البنى، أيُّ دخولٍ في عتمتها، لا مكان له في هذه الجوائز العربية. وبهذا، يكون دور لجان التحكيم رقابياً، نيابةً عن الهيئات المانحة، نيابة عن المجتمع، نيابة عن العقيدة.
هذه نقطة واحدة يمكن التوقف أمامها حيال خيارات لجنة التحكيم. لكن الأهم ما هي خياراتهم "الإبداعية"، بصرف النظر عن بلدانها، أو موضوعاتها؟ لا جديد. إعادة طبخ المطبوخ. حواديت وكتابة مصطنعة، معلبة، لا مغامرة فيها. لا تجريب. أسماء مزمنة على القوائم كأنها ماركات مسجلة، وأخرى تكتب "فرضاً" مدرسياً: مثل، صِفْ يوماً ربيعياً.
كان الجدل الذي يرافق قوائم جوائز الرواية، الطويلة والقصيرة، وصولاً إلى "التتويج"، عن غياب "بلدان" وحضور أخرى. لكن حتى هذا الجدل العقيم توقف.. وانتقل "تقييم" هذه الروايات إلى موقع "goodreads". لم أجد خيارات الجوائز العربية أفضل من خيارات قرّاء هذا الموقع الإلكتروني، بل ربَّ قارئٍ يتسرب رأيه، في هذا الموقع، لديه "محاكمة" أفضل للرواية، وفهم متقدم على أساتذة الجامعات، المتيبسّون، الذين غالباً ما يترأسون لجان التحكيم. لا فائدة من اقتباس "أعرق" الجوائز الغربية، ما دامت ستعرَّب. وقديماً قال ابن خلدون، ما غيره، إذا عربت خربت!