الشريط الإعلامي

حقائب (فرويد) في الاحلام!

آخر تحديث: 2018-02-24،
الدكتور: رشيد عبّاس
حقائب (فرويد) في الاحلام!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الدكتور: رشيد عبّاس
من حقي كمواطن اردني تجاوزت الـ (18) ربيعا, من حقي ان احلم ولو لبضع دقائق, ومن حقكم ان تعرفوا ان حُلمي من النوع السهل الممتنع كأسئلة برنامج فكر واربح, او كأسئلة برنامج من سيربح المليون, واعدكم ان لا يكون حُلمي طويلا فيه شيء من الملل ولن يكون مزعجا للأخرين, حُلمي لا يحتاج الى فك الغاز عند قارئة الفنجان ام احمد, ولا يحتاج الى كتاب تفسير الاحلام, او كتاب شمس المعارف,..هذه الايام الباردة والماطرة ليلا اقتربتُ كثيرا من نظرية العالم (فرويد) والمتعلقة بتفسير الاحلام حيث تقول هذه النظرية ان الأحْلام باختصار شديد هي رغبات النهار ومخاوف العيش ليلا, ويلعب الْحُلم عند فرويد وظيفة «حراسة النوم» وصد أي شيء يؤدي إلى إقلاق النائم وإيقاظه, فإذا أحس النائم بالجوع مثلاً، فإنه يرى في منامه أنه يأكل الطعام وبهذا يستمر نائماً ولا يضطر للاستيقاظ لأكل الطعام.
في بعض الليالي الـ(فرويد)ية الماطرة وبعد وجبة عشاء من النوع الثقيل يحلمُ البعض منا انه اصبح من الطبقة الغنية ويبدأ يأخذ مجدهُ في الحُلم في ضوء وفر وتوفر المال لديه, فيقوم بشراء سيارة جيب من النوع الغالي جدا, ويسافر الى اجمل غروب في فرنسا, ويبني قصرا في عمان الغربية, إلا انه يتفاجأ في الصباح انه ما زال من الطبقة الفقيرة - والفقر ليس عيبا- ولديه عجز واضح في راتبه الذي لا يكفي لآخر الشهر,..البعض الاخر منا يحلمُ انه اصبح مطربا ويبدأ يأخذ مجدهُ في الحلم على خشبة المسرح الغنائي, يغني بأعلى صوته (يا نسيم الصّباح سلّم على باهي الخد, نبهه من منامه, قلّه انّي على وعده بحبّه مقيّد, حتّى يوم القيامة) ويلّوح للحضور بيديه ويوزع الابتسامات على الجنس الاخر, ويتلقى بصدره الدافئ قذائف الورد الجوري ابيض اللون, ويصافحُ برؤوس أصابعه المعجبين بعد انتهاء الاغنية, إلا انه يتفاجأ في الصباح انه ما زال بائع بندورة وملفوف - والشغل ليس عيبا- على بكم من نوع كيا خرده عجلاته ماسحة,..ثمة فئة اخرى منا يحلموا ولهم الحق في ذلك يحلموا انهم اصبحوا مدراء لشركات كبرى ويبدأوا يأخذوا مجدهم في الشركة, تعيين سكرتيرة بمواصفات عالية, وتعيين سائق خاص لهم, وعقد اجتماعات مطّولة, وعمل خطابات عصماء, ثم نقل وطرد بعض الموظفين, وضع البايب (الغليون) على طرف الفم, إلا انه يتفاجأ في الصباح انه ما زال يعمل مستخدما - والشغل ليس عيبا- ويجلس على كرسي بثلاثة ارجل على باب في احدى الدوائر.
الحكاية مختلفة تماما عند الذي يحلمُ انه اصبح يحمل (حقيبة) وهنا تكمن المصيبة كما يقال, ويبدأ بالحلم بوضع دفتر قلاب متوسط الحجم لتسجيل ملاحظات المراجعين اليومية, ثم يبدأ بترتيب اوراقه في هذه الحقيبة, اوراق بيضاء فيها قائمة الاصدقاء مرتبين حسب الحروف الابجدية, واوراق حمراء فيها قائمة الاعداء مرتبين حسب الحروف الهجائية, واوراق زرقاء لوصفات اعلامية مشروح فيها كيف يقف امام الكاميرات مبتسما, واوراق اخرى اعلامية مشروح فيها كيف يبدأ الكلام وكيف ينهيه حول اي موضوع كان, بعد ذلك يضعُ قلم الحبر السائل من نوع (باركر21) المزود بالحبر الاسود الصيني لتوقيع المعاملات والكتب الرسمية, إلا انه يتفاجأ في الصباح انه ما زال تلميذا في احدى المدارس - والتلمذة ليس عيبا- وتملأ حقيبته المزودة بأحزمة الظهر كتب القراءة والحساب ودفاتر النسخ والرسم, واقلام الرصاص من نوع HP المانية الصنع.
هنا نظرية (فرويد) تتعطل ولم تعد صالحة, هذه النظرية لا تُنبأك ان تحمل حقيبة على المدى القريب, وهنا لم يعد الْحُلم يلعب وظيفة «حراسة النوم», هنا الحُلم ليست من النوع السهل الممتنع, وليست كأسئلة برنامج فكر واربح, او ليست كأسئلة برنامج من سيربح المليون, انها الاسقاطات الحياتية اليومية كما يسميها علم النفس,..بقي ان نقول الى جميع الحالمين بحقائب من هذا النوع, حتى بالأحلام الليلية هناك قَسمْ ثقيل (أقسم بالله العظيم أن أكون..), حتى لو لم تَردْ في احلام فرويد, وهناك التزام بمبادئ النزاهة والحياد واحترام الدستور والشعب والقانون، وهناك مصداقية وشفافية وامانة في العمل وفي القيام بالواجبات، وهناك معاملة الناس على أسس من العدالة والحياد وإعطاء الحقوق لأصحابها، ورفع الظلم والحيف عن المظلومين, نعم حتى بالأحلام الليلية القَسمْ مغلّظ يتضمن كل معاني الانتماء والولاء للملك والأمة ودستور البلاد، فاذا رأى الحالم اعوجاجاً اعترف به وقوّمه، وان لم يملك الشجاعة والشفافية الكاملة للاعتراف بالخطأ وتحمل المسؤولية عما يحصل في عمله من أخطاء وربما خطايا بحق المواطن أو الوطن عليه أن يعتزل موقعه، ويذهب إلى بيته وفاءً لما أقسمَ عليه، فذلك خير له وأنفع.