الشريط الإعلامي

الفشل بما هو أزمة الطبقة السائدة

آخر تحديث: 2018-02-17، 08:07 am
ابراهيم غرايبة
اخبار البلد 
 


ما من مرحلة جديدة إلا وتنشئ فرصا وتحديات جديدة، وتعصف بالنخب السابقة وتأتي بنخب جديدة، لكن النخب الجديدة ليست قرارا باستبدال مجموعة أو فئة من الناس بمجموعة أخرى، إذ يجب أن تكون قيادات تعكس الاستيعاب الصحيح للمرحلة وتعبر عنها بوضوح، والحال أن العالم يمر بمرحلة انتقالية غير واضحة مليئة بالفوضى والخوف، وفي مثل هذه المرحلة فإن خيارات الأمم أن تتبع خوفها وما ينشئه ذلك من نكوص وفشل وربما انقراض، أو أن تسلم قيادها لنخب جديدة يتوقع أنها الأفضل أو الأنسب لتقود المجتمعات وتنظم الموارد؛ ليس لأنها تعرف؛ فلا أحد يعرف اليوم، ولكن لأنها المرشحة لتكون الأكثر نزاهة وكفاءة، ولذلك يفترض أن تتقدم القيادات الاجتماعية بالنظر إليها تعكس القواعد الاجتماعية الممتدة وتطلعاتها واحتياجاتها وأولوياتها وإن كانت غير قادرة بعد على إنجازها، والفئة الأخرى هي المبدعون ممن يقدمون أو يحاولون أن يقدموا أفكارا وتطبيقات وتصورات جديدة أو بديلة للأزمات والتحديات القائمة. هكذا يتقدم القادة الاجتماعيون والمبدعون لاستيعاب الفوضى والتغيرات الجوهرية في الموارد والسياسة والثقافة، ويكونون هم العمود الفقاري للنخب وتشكيلاتها السياسية والاقتصادية، وبالطبع فإن ذلك حالة انتقالية؛ إذ سوف تتشكل قيادات سياسية واقتصادية لكن يجب أن تظل المجتمعات قادرة على الاستقلال وتقديم القادة الذين يعكسون استقلالها وولايتها لأجل حمايتها ولأن المجتمعات هي الأولى والأقدر على استشعار التغير في السلع والخدمات والأسواق والموارد، والأقدر أيضا على تحديد احتياجاتها واولوياتها، ولأنها الضامن الأساسي للثقة والرضا، فبغير مشاركة المجتمعات وولايتها لن يكون في مقدور السلطات السياسية والنخب أن تواصل دورها، وأما المبدعون فهم الأقدر على التفكير والاختيار في مرحلة منقطعة عن الماضي وتنشئ أفكارها وآفاقها من غير علاقة واضحة مع الماضي والحاضر.
هكذا يبدو الإصلاح بأنه الحريات الناشئة عن عدم المعرفة، فلأننا لم نعد نعرف فإننا نطلق الحريات إلى أقصى مدى ممكن ونترك للمجتمعات أن تختار قادتها ونخبها ولجميع الناس أن تفكر في حرية تامة، ثم تجرب المجتمعات من خلال الانتخابات والأدوات الممكنة لاختيار الأفكار والبرامج والسياسات والتشريعات، ويظل تراجعها دوريا وعلى نحو متواصل بلا ضمانة لإدراك الصواب او الاقتراب منه سوى الحرية؛ ما يعني بالضرورة أن كل المقولات والأفكار يجب أن تنال الفرصة نفسها من الحرية والقبول وفرص المشاركة والتعبير عن نفسها.
لكن في ظل عدم اليقين هذا تتشكل القيم المنشئة للإصلاح، فهذا التقدم العلمي والتكنولوجي المنجز مستمد من عدم اليقين، فهو محاكاة للإنسان في لغته وتفكيره وتذكره وتداعياته وإدراكه، تقوم على الاحتمالات وعلوم اللغة وعلم النفس بما يحوطها من ريبة ونقص في المعرفة، هكذا فهذا العالم الجديد من الموارد والفرص تنظمه أيضا قيم عدم اليقين والاحتمالات.
وفي التشبيك وثورة الاتصالات، أمكن إتاحة المعرفة والمحتوى على شبكات الإنترنت والاتصالات؛ ما أتاح المجال بلا حدود لجميع الناس في الاطلاع والتواصل والإحاطة المعرفية والتدريب والتعليم والتعلم والتأثير والتجمع وتبادل المعلومات والخبرات والتسويق والبيع والشراء... على نحو مدهش، بتكاليف قليلة وبمهارات ممكنة لجميع الناس، لدرجة أن العالم القائم اليوم يمكن وصفه ببساطة "access" الوصول إلى الشبكة، فبمجرد الوصول إلى الشبكة يصبح الأفراد والشركات والمجتمعات والجماعات أعضاء متساوين (تقريباً) في التأثير والمشاركة، .. وهكذا تشكلت مساواة مدهشة تقترب من أن تكون مطلقة! ولم تعد ثمة حقوق لفرد أو طبقة سوى المعرفة.
لم تعد الحريات والمساواة زينة جميلة أو قيمة عليا معزولة عن الحياة، لكنها اليوم أساس الموارد وتنظيمها، فما من خيار أمامنا في مواجهة التحولات سوى الحريات والمساواة لعلها ترشدنا إلى فكرة تساعدنا أو تحمينا، وبدون هذه الحريات والمساواة فإن الدول والمجتمعات معرضة للانهيار، فلم تعد الدول وجيوشها وأجهزتها الأمنية والبيروقراطية قادرة على إدامة المؤسسات والأسواق والأعمال والعلاقات، وليس في مقدورها أن تتحكم في أدوات التفكير والتأثير وعلاقاتها، لأن النقود والمعلومات والمعرفة والسلع والخدمات تتدفق اليوم بلا استئذان، وما من وسيلة للمواجهة سوى التكيف والبحث عن الفرص والقيم والعلاقات الجديدة المنظمة لحياة الناس ومواردهم.