الشريط الإعلامي

أسس البناء والفشل في السياسات العامة للدولة

آخر تحديث: 2018-01-18، 10:28 am
هاني طاشمان

من بديهيات المعرفة التي لا تحتاج إلى تخصصات وإيديولوجيات فكرية؛ أن من الطبيعي أن يكون عند الإنسان اكتفاء ذاتي من مأكله ومشربه ومسكنه وملبسه، وهكذا استطاع الإنسان الأول منذ بداية الخليقة أن يثبت وجوده وتطوره وازدهاره وبناء حضارته، وهذا لا يختلف عليه اثنان لديهم عقل مفكر.

وما ينطبق على الفرد والأسرة ينبغي أن ينطبق على المجتمع بأكمله في إطاره القانوني والذي يعرف بالدولة،

وأتذكر أنه منذ بداية طفولتي أن الأهل والجيران يقومون بزراعة القمح والشعير والعدس وسائر الحبوب والبقوليات التي تحتاجها الأسرة إضافة إلى الخضروات والفاكهة. وكنا نأكل من قمحنا ونشرب من بئر الماء الذي نجمعه من مياه الشتاء ، يكفينا طوال العام، لم نحتاج لأحد ليقدم لنا أي شيء، ونذهب للمدرسة نتعلم بجد ونشاط لم يكن أي منَا يتلقى دروسا خصوصية، فكان اعتمادنا على ذاتنا بشكل كبير جدا.

وبعد سلسلة من التطورات في الدولة وتقديم الخدمات العامة للناس، من ماء وكهرباء وطرق مواصلات واتصالات وغيرها أصبح هنالك شكل من أشكال الرفاه الاجتماعي وهذا أمر جيد كما يبدو، ولكن للأسف لم يكن هنالك برامج مرافقة لذلك لتشمل جوانب أخرى من حياة الناس، الذين هجروا العمل في الزراعة وأهملت الأرض الزراعية، لا بل أصبح هنالك تهجير وإهمال قسري للأرض الزراعية بالسماح للناس في البناء والتعمير على أخصب الأراضي الزراعية فكانت النتيجة تزايد كبير في عدد السكان وتناقص كبير في مساحة الأراضي الصالحة للزراعة، لا بل ومحاربة المزارعين وإجبارهم على ترك هذه الحرفة المقدسة وذلك بالسماح باستيراد الحبوب والمنتجات الزراعية واللحوم من الخارج بأسعار بخسة، نظرا لأنها لا تحمل مواصفات الأطعمة الجيدة فمعظمها طعام فاسد تلقيه الأمم المتحضرة والمحترمة في أفواه المجتمعات المتعثرة كما هو الحال في بلداننا العربية، فأصبحت حرفة الزراعة لا تقيت صاحبها ووصلت الأمور إلى اعتبار حرفة الزراعة عيبا وتصف أصحابها بأنهم فلاحين أو أبناء فلاحين للتقليل من مقدارهم واحتقارهم أيضا، وهذه نظرة فيها من التخلف الشيء الكثير وأقول هنا؛ بأن الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وروسيا والصين واليابان فيها قطاع الزراعة مزدهر ويدر على الدولة أرباحا طائلة لا بل تصل أهمية المواد الزراعية إلى أهمية السلاح الذي تتسلح به الدول، ويكفي لأمريكا أو روسيا أن تعلن تهديدها بعدم بيع الحبوب لأي دول لتخر راكعة تحت أقدامها، أليست الزراعة لديهم سلاح تركيع وتجويع تفوق قدرته قدرة الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل؟! فلماذا نصغر العاملين بالزراعة ونحتقرهم أيها المتكبرون؟ أليس هذا الجهل والتخلف بعينه؟!

الأردن خطى خطوات ملموسة وجيدة في العقدين الأخيرين من القرن الماضي وانفتح على دول العالم وقام ببناء المدن الصناعية المنتجة في عمان واربد والكرك وغيرها من المناطق وجذب رؤوس أموال كبيرة عملت على ازدهار المملكة، ويكفي أن نقول بأن عشرات الآلاف من العمال الذين يذهبون إلى المصانع للعمل كل صباح لإعالة أسرهم قد ساهم برفع المستوى المعيشي لهذه العائلات، وأصبح هنالك حركة بناء وتشييد وعمران للمصانع والشركات بشكل ملحوظ، ولكن للأسف الصورة الآن انعكست وأصبح هنالك هجرة قسرية لأصحاب رؤوس الأموال إلى خارج الأردن وإقفال العديد من الشركات والمصانع وذلك لعدم وجود التشريعات القانونية التي تشجع الاستثمار مما ساهم بزيادة "الطين بله" ليقع المواطن فريسة لسياسات حكومات متعاقبة لم يكن لديها أية برامج إصلاحية للنهوض بالبلد، وبفعل تزايد الحاجة إلى المال لجأت هذه الحكومات إلى نهج طريقين الأول هو الاقتراض من صندوق النقد الدولي وغيره من الدول والثاني جيب المواطن فهو الأسهل والأسرع بدلا من لجوء الدولة إلى إعداد برامج اقتصادية لجذب رؤوس الأموال وبناء المصانع للوصول إلى شكل من أشكال الاكتفاء الذاتي وتحسين المستوى الاقتصادي والمعيشي للمواطن الأردني.

وكمواطن عادي أرى أن اقتصادنا على حافة انهيار إذا لم تتمكن حكومتنا الرشيدة من الأخذ بزمام المبادرة والتركيز على المواطن الأردني لتحسين ظروف معيشته الضنكة، من خلال محاربة الفساد والرقي بالنظام التعليمي لبناء الإنسان محور ثروتنا في الأردن وتشييد المصانع ومراجعة كل القوانين والأنظمة التي عملت على تهجير رؤوس الأموال والشركات والمصانع بسبب الفساد، لنبني أردننا من جديد على أسس سياسية واقتصادية سليمة لبناء مجتمع قوي.

ولهذا فنحن بحاجة إلى تخطيط متوازن يشمل جميع القطاعات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في الأردن، حيث إن عدم وجود التخطيط هو التخطيط للفشل بعينه. وتتحول الدولة إلى دولة فاشلة غير قادرة على توفير الأمن الغذائي لسكانها لا سمح الله.

حمى الله الأردن ومليكه وشعبه من أية انتكاسات سياسية أو فكرية أو اقتصادية واجتماعية