الشريط الإعلامي

بين الكباب والبرغر

آخر تحديث: 2017-12-26، 09:23 am
احمد حسن الزعبي
في موسم الشتاء كان يندر وجود الحرّاثين ، فالحرّاثون أصحاب السمعة والجد والاجتهاد يتواجدون في السهول بعد أن «ربط» معهم أصحاب الأملاك في وقت مبكّر من السنة.. تقول الحكاية أن أحد ملاّك الأراضي بحث طويلاً عن حرّاث يساعده في فلاحة أرضه بعد أن انتصف الموسم ،وبعد جهد جهيد التقى الرجل بأحد الحرّاثين المتفرّغين بالصدفة ، ففرح أيما فرح..»ها أبو فارس تفلح معي السهم بكرة»؟..»وشوّ عليه بنفلح»!!قال أبو فارس...وللاحتفاء به و»تزبيطه وتربيطه» أخذه إلى مضافته وأضاء له السراج ،وأوقد له «الكانون» وعمّر دلّة القهوة ثم ذبح له «ديكا بلديا» وعبأ «علبته هيشي» و بعث أحد الأولاد إلى دكان «كرمة العلي»واشترى له «رطلاً من الهريسة»..وظل يسامره حتى ينضج الديك.. آخر الليل حضر الديك بطنجرة والحساء يغلي بينما رائحة البهار والخبز الساخن تفوحان في المكان..رفع المعزّب الفخذ ووضعه على رغيف الحرّاث وقال له: «بكرة بعد الفجر ان شاء االله ها «؟ «عضّ الضيف الفخذ بجوع وهو يقول: « قول ان شاء االله»..فتّ له السفينة والفخذ الثاني واستصلح له لحم الظهر...وهو يؤكّد « معناته بكرة بعد الفجر ان شاء االله»..والحرّاث يؤكد» قول ان شاء االله»..بعد العشاء الدسم والدفء الرائع..حضرت الهريسة المحمّرة خجلاً فتح المعزّب «الزرف» أمام ضيفه وناوله «كعباً يتوهج من شدّة قطر» «زي ما اتفقنا بكرة بعد الفجر بنتسهّل ان شاء االله» ، «الضيف: «وهو يمصّ أصابعه بعد الهريسة..قول ان شاء االله» صب فنجان قهوة ثم لف ّ سيجارة «هيشي» وناوله: «هاك دخّن..وهسّع بلف لك علبة عشان بعد الفجر ما تلتهي باللف وأنت بتحرث «..أخذ السيجارة بين إصبعيه وقال: «قول ان شاء االله».. بقيا يتسامران حتى منتصف الليل، مهّد المعزّب فراش الحراث وعزّز غطاءه بلحافين ثقيلين..ثم نام في الزاوية المقابلة...مع الآذان الأول قبل الفجر بربع ساعة :صاح صوت خارج المضافة « أبو فارس قاعد؟»!!..رفع أبو فارس لحافه بسرعة ولبس بسطاره على عجل: «قاعد قاعد» قال الرجل الغريب:نوينا؟..أبو فارس: جايك قول يا االله..ثم غادر مع إقطاعي آخر وترك صاحب المضافة والضيافة بعد ان تعشّى وتحلّى ودخّن وسهر ببلاش على أمل الوعد.. ** أنا لم يزعجني بكل ملف نقل السفارة الأمريكية الى القدس ، ووقاحة إسرائيل ورخاوة العرب ، وتصويت دول بحجم «الثآليل» على الخريطة..لم يزعجني كل هذا التحدّي بقدر انزعاجي من موقف دولة افريقية تدعى «التوغو» تعاملت معنا كما تعامل الحرّاث ابو فارس مع صاحب الأرض..حضرت قمة منظمة التعاون الاسلامي كعضو فيها ، وأكل وفدها كباب تركي «تا قال بس» وشارك في صياغة البيان الختامي وعند التصويت في الجمعية العامة بالأمم المتحدة صوتت مع أمريكا...ففاضلت بين الكباب والبرغر وفضّلت الأخير على الأول لأنه أدوم وأكبر وأدسم.. يا اخي..حتى بالمجتمع الدولي في «ابو فارس»