الشريط الإعلامي

من نكسة إلى نكسة ..والقائمة تطول

آخر تحديث: 2017-12-19، 11:34 am
هاني طاشمان

بقلم 

تعرض العرب على مدى تاريخهم الطويل إلى الكثير من الانتكاسات والانتعاش من جديد، ونذكر في التاريخ الحديث انه وبعد الثورة العربية الكبرى والإعلان عن المشروع العربي بإقامة الدولة العربية تعرض العرب إلى ثلاثة انتكاسات أو ثلاثة طعنات تلقيناها في ظهورنا ابتداء من اتفاقية سايكس بيكو عام 1916م ومرورا بوعد بلفور المشؤوم وانتهاء بمعركة سان ريمو التي أجهضت المشروع العربي عام 1920 والقضاء على دولة الملك فيصل العربية في الشام، ثم مررنا بكثير من بعد انتعاش جزئي بقيام إمارة شرق الأردن وكذلك الدولة الهاشمية في العراق ولو كان هذا الانتعاش لا يلبي الطموحات العربية في قيام دولة عربية تجمع كل العرب،

وفي عام 1948 جاء قرار التقسيم لفلسطين وقيام دولة يهودية على الأرض العربية في فلسطين هجر العرب من بيوتهم على شكل جماعات كبيرة نزحت خوفا من بطش الميليشيات والعصابات اليهودية التي بثت الرعب في قلوبهم وبطشت فيهم حتى تشتت معظم سكانها في أنحاء العالم في مخيمات لا تكاد توجد فيها رمق العيش، ومن ثم قيام الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967 والسيطرة على ما تبقى من ارض لتقع انتكاسة كبيرة لا نزال إلى يومنا هذا نعاني من وطأتها في كافة البلاد العربية.

ليس هذا ما يهمنا الآن ولكن المصيبة في القادم من الأحداث، وأرجو أن لا أكون متشائما ولكن قراءتنا للأحداث تشير إلى انتكاسات أخرى لا تقل وطأة عن وعد بلفور ذاته، وتمثل ذلك في قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها.

ماذا يعني ذلك؟ ، بكل تأكيد يعني عدم قيام دولة فلسطينية كما هو متفق عليه في قرارات الأمم المتحدة والقفز فوق مفاوضات السلام وتجاوزها وفرض الأمر الواقع في موضوع المحادثات النهائية لوضع القدم المتفق على أن تتم مناقشتها بآخر مراحل المفاوضات لكون موضوع القدس أكثر تعقيدا من أي موضوع آخر.

والملاحظ أن قرار كان واضحا " القدس عاصمة إسرائيل" ولم يشر إلى قدس غربية أو شرقية بل كل القدس، وهذا مخالف لكل الأعراف والقوانين الدولية، ولا نعلم ما هو السبب الحقيقي في التسرع بإعلان هذا القرار وما هي مبرراته.

وللحقيقة الرئيس ترامب يريد من وراء ذلك أمور كثيرة من أهمها تغيير الرأي العام الذي تبلور حول التدخلات الروسية في الانتخابات الرئيسية والتي يبدو أن للحركة الصهيونية دور فيها، فإرضاء لهم قرر اتخاذ هذا القرار لإسكاتهم، وفي الدرجة الثانية انه كان لدى ترامب مخطط لصفقة القرن وكان جادا في حل الدولتين ولكن على أسس جديدة لا علاقة لها بما وصلت إليه مفاوضات السلام، أو مقررات الأمم المتحدة، هذا المشروع الذي يقوم على إعطاء الفلسطينيين دولة موحدة من غزة إلى سيناء ومبادلة ارض سيناء بأراض من صحراء النقب، الأمر الذي رفضته الأردن وفلسطين كون هذا الحل سيكون على حساب الأردن وشعبه وتفريطا بحقوق الفلسطينيين الذين يقطنون الأردن في المخيمات وغيرها منذ أكثر من نصف قرن، ولكن من المؤسف جدا أن نرى دولا عربية هامة قد أيدت مشروع ترامب فيما يخص صفقة القرن والموافقة الضمنية أو العلنية على قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، قد أضعف الموقف العربي والإسلامي وأعطى شكلا من أشكال الشرعية إلى هذا العمل الذي يعتبر وصمة عار على جبين الإنسانية جمعاء كونه قرار مجحف بحق الفلسطينيين. وهذا لا يختلف كثيرا عن وعد بلفور بل إنه الجزء الثاني من هذا الوعد مما يعتبر انتكاسة خطيرة ومنحنى سياسي لا تعرف عواقبه حتى الآن.

ما المطلوب عمله لمواجهة هذا العدوان والتآمر على الشعب الفلسطيني؟

تمثل الموقف الفلسطيني وبعض الدول العربية والإسلامية وعلى رأسها الأردن ولبنان وتركيا بالوقوف بصلابة في مواجهة ذلك من خلال التظاهر المستمر أمام السفارات الأمريكية، ظهور بوادر انتفاضة جديدة حقيقية سيدفع الفلسطينيون من خلالها الكثير الكثير من الشهداء والمعتقلين بكل تأكيد؛ والمسار الثاني لمقاومة هذا القرار في أروقة الأمم المتحدة، وفيها مطبات قانونية خطيرة، فبعد صياغة القرار الأولي من جانب دولة مصر الشقيقة التي أشارت إلى أمريكا والى الرئيس الأمريكي ترامب، ولكن المشاورات من قبل الدول الأوروبية طالبوا بالتعديل على مشروع القرار وذلك بإزالة اسم ترامب أو أمريكا من مسودة المشروع ليتمكنوا من التصويت عليه في مجلس الأمن الدولي، بحجة عدم المواجهة مع أمريكا، وقد حظي المشروع بموافقة أربعة عشرة دولة واعترضت عليه أمريكا من خلال الفيتو كونها من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن.

وهنا أريد أن أنوه إلى موضوع غاية في الخطورة، إن موقف الدول الأوروبية التي أيدت القرار لا يختلف كثيرا عن موقف الولايات المتحدة الأمريكية، فكلاهما يساهم بعملية قتل المشروع العربية ولكن كل على طريقته، أمريكا أجهزت على المشروع علنا وبكل قوة من خلال الفيتو، والدول الأوروبية التي طالبت بتعديل صيغة المشروع قدمت له السم في العسل، فما فائدة التصويت لصالح المشروع العربي وهي تعلم صنيعة يديها مسبقا بما سيحدث، فكأن القرار لم يكن أصلا، بل على العكس إنها من خلال مطالبتها بحذف اسم ترامب وأمريكا من صيغة القرار أعطت الحق لأمريكا في استخدام حق النقض الفيتو وبهذا تكون هذه الدول قد اصطادت عصفورين بحجر واحد، إسقاط المشروع العربي وإرضاء لإسرائيل وأمريكا، وهذه أيضا الانتكاسة الكبرى باعتقادي لأنها كشف هشاشة الموقف العربي والإسلامي من جهة ومدى الضعف والجهل بالقوانين الدولية، وكذلك أثبتت بأننا لاعبون غير محترفون في الساحة السياسية والدولية وإننا لا زلنا ألعوبة بيد الدول الكبرى.

وأختم حديثي هنا بالقول أن أمامنا الكثير من العمل كدول عربية وإسلامية، وأن نبني مشروعا عربيا إسلاميا موحدا، وخطابا مشتركا تجاه القوى العالمية بالتأكيد لا يكون مبنيا على المواجهة ولكن على المنطق والتعقل والانخراط في بناء مجتمعات القانون والاحترام وحفظ القيم السامية وطرح الأفكار السلبية من قاموسنا وهذا لا يأتي إلا من خلال منظومة تربوية مبنية على القيم الإنسانية المشتركة، لأننا نعيش في قرية صغيرة في هذا العالم ولا بد من بناء القيم والاعتماد على الذات