الشريط الإعلامي

تحولات عميقة في شرق أوسط مضطرب

آخر تحديث: 2017-12-18، 08:00 am
حسن أبو هنية
 كشف قرار الولايات المتحدة الأميركية بالاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، عن تحولات عميقة في توجهات دول المنطقة، وإذا كانت المسألة الفلسطينية عموما وقضية القدس خصوصا قد مثلت أحد أهم ركائز خطوط الصدع والانقسام وتشكيل التحالفات في المنطقة تاريخيا منذ نهاية الحقبة الكولونيالية الاستعمارية وبروز الدولة الوطنية وتأسيس المستعمرة الاستيطانية الإسرائيلية، فإن فلسطين والقدس لا تزال المحرك الرئيس في رسم محددات السياسات الخارجية لدول المنطقة، وقد جاء القرار الأميركي عقب الإعلان عن نهاية العمليات العسكرية التقليدية ضد تنظيم الدولة الإسلامية خصوصا والحركات الجهادية عموما الموسومة بـ»الإرهاب» الذي بات يجسد الركيزة الأهم في تحديد الأولوبات وبناء التحالفات الدولية والإقليمية والمحلية. المنظومة الجديدة من التحولات في توجهات دول المنطقة أصبحت رهينة للمسألة الإرهابوية وليس قضية المستعمرة الإسرائيلية التي باتت صديقة وشريكة للأنظمة الدكتاتورية، في سياق إعادة توصيف المخاطر والتهديدات وإعادة تعريف الأصدقاء والأعداء إذ أصبح «الإرهاب» المفترض والمتخيل المحدد الأساس في توجهات المحور الجديد، وإذا كان الإرهاب المتعلق بالحركات والمنظمات الجهادية مألوفا ومفهوما، فإن ذاتية مصطلح الإرهاب توسعت لتشمل دولا إقليمية إسلامية رئيسة في المنطقة وفي مقدمتها إيران وتركيا التي باتت تعرّف كدول راعية لـ «الإرهاب»، نظرا لمواقفها من إسرائيل ودعمها لحركات المقاومة وجماعات الإسلام السياسي وتمردها على السياسات الأميركية. أحد المسائل الأساسية في طبيعة التحولات العميقة حول تحديد ماهية المخاطر والتهديدات هو حصرها بموضوعة الإرهاب بتعريفاته الجديدة الذي يشمل حركات إسلامية غير مصنفة كمنظمات إرهابية على الصعيد الدولي، والتوسع في نعت أنظمة فاعلة في المنطقة كدول راعية للإرهاب، والطريف أن الدول العربية المنخرطة في التحالفات الجديدة لا تتوافر على الحد الأدنى من الديمقراطية ويشهد سجلها انتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان، الأمر الذي يؤكد على أن الولايات المتحدة لا تحفل بمسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالمين العربي والإسلامي، بل لا تعترف بوجود ديمقراطيات في المنطقة عدا «إسرائيل»، وعندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب اعتراف إدارته بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، أصر على أن إسرائيل تمثل «واحة للديمقراطية في المنطقة»، وكان ترمب قد أكد بعد يومين من فوزه بالانتخابات الرئاسية في 11 تشرين ثاني على أن «إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، والمدافعة الوحيدة عن حقوق الإنسان»، رغم الإجماع الدولي على أن إسرائيل دولة احتلال استعمارية، فضلا عن كونها دولة عنصرية. القرار الأميركي أن القدس عاصمة إسرائيل جاء بعد الإعلان عن هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، وعقب الانقلاب على الانتفاضات الشعبية في العالم العربي، وتشديد الحصار والخناق على المعارضات الشعبية تحت ذريعة حرب «الإرهاب»، واستهداف تركيا وإيران باعتبارها دولا راعية لـ «الإرهاب»، وصلت حد دعم الانقلاب الفاشل في تركيا في تموز 2016 بسبب دعم تركيا للقضية الفلسطينية وإدانتها للحروب العدوانية الإسرائيلية على غزة، ودعمها لحركة الاحتجاجات الشعبية العربية عموما والإخوان المسلمين خصوصا، وقد رفضت الولايات المتحدة المطالب التركية بتسليم فتح االله غولن المتهم الأول بالانقلاب وهو مقيم في بنسلفانيا الأميركية، رغم تقديم تركيا لأميركا مئات الأدلة والوثائق على تورط غولن بذلك الانقلاب، كما أصرت أميركا على دعم الأحزاب والمليشيات السورية التابعة لحزب العمال الكردستاني وأذرعه المنضوية في قوات سورية الديمقراطية رغم إدراجه على لوائحها الإرهابية، بهدف إقامة كيان انفصالي كردي شمال سوريا، يهدد الأمن القومي التركي. في ذات السياق عمدت الإدارة الأميركية في عهد دونالد ترمب إلى تبني استراتيجية جديدة للتصدي لإيران تستند إلى ممارسة مزيد من الضغوطات والعقوبات، لكنها تستبعد العمل العسكري نظرا لكلفته الباهظة وخشية من تداعياته، إذ يتمثل الحل الأمثل بالنسبة للولايات المتحدة في الاستمرار في تبرير وجودها في سوريا (والعراق) حسب جيمس جفري من خلال التشديد على ضرورة منع عودة ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية» في المقام الأول، ويعني ذلك إقناع كل من الكونغرس الأميركي والمجتمع الدولي بأن التهديد القائم كبير، فضلاً عن الحرص على المصالح التركية والعراقية بما فيه الكفاية لتجنب الاعتماد على أي منهما، مما يحول دون أي سحب مفاجئ لهذه القوات، فقد يشكل سحب القوات ضربة مريرة للجهود الأميركية ضد إيران، الأمر الذي يعزز فرص إسرائيل أو السعودية لمواجهة طهران ووكلائها بطرقهم التي لا يمكن السيطرة عليها، وقد وجّهت إدارة ترمب رسائل متضاربة حول سياستها تجاه إيران، ولم يكن العنصر الأكثر أهمية في بيان الرئيس الأميركي في 13 تشرين الأول حول إيران القرار المعظّم بل الرمزي بشكل كبير بحجب التصديق على الاتفاق النووي، وإنما الإعلان بأن واشنطن ستركز عل احتواء «النشاط الإيراني المزعزع للاستقرار» في المنطقة، بيد أنه منذ ذلك الحين، لم يقدم البيت الأبيض التفاصيل الكافية حول «كيفية» تطبيق هذه السياسة لخص روبرت ساتلوف طبيعة التحولات التي طالت بنية التحالفات في المنطقة بالقول: «من هنا يبدو أن كل الذين تنبّأوا بردّ فعلٍ كارثي من العرب والمسلمين على الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل-كموجات من التظاهرات المعادية للأميركيين، وأعمال عنف عارمة ضد المواطنين الأميركيين والمؤسسات والمصالح الأميركية، فضلاً عن انتهاء النفوذ الأميركي في المنطقة بشكل نهائي وقاطع - كانوا على خطأ تماماً. فردود فعل العرب المهمّين -أي حلفاء أميركا- كانت عموماً رصينة ومدروسة وناضجة. وخير دليل على ذلك هو موطن الإسلام، المملكة العربية السعودية. خلاصة القول أن الاعلان الأميركي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل كشف عن تحولات عميقة في طبيعة وبنية التحالفات في المنطقة من خلال إعادة تعريف الصديق والعدو، فقد أصبحت المستعمرة الاستيطانية الإسرائيلية صديقا حميما وشريكا مفضلا لبعض دول المنطقة ووسيطا موثوقا لنيل رضا الولايات المتحدة، وباتت إيران وتركيا إلى جانب حركات المقاومة وجماعات الإسلام السياسي عدوا لدودا وفق التعريفات والمحددات الذاتية المفترضة لمصطلح «الإرهاب» الذي يمثل كلمة السر في طبيعة التحولات العميقة التي طالت دول المنطقة، في ظل سيادة عقيدة الاستقرار التي أصبحت عنوانا مركزيا لديمومة الدكتاتورية في المنطقة والتضحية بطموحات شعوبها التي تنشد الديمقراطية والحرية والعدالة