الشريط الإعلامي

إحالة الأردن إلى مجلس الأمن الدولي ..لماذا الآن؟!

آخر تحديث: 2017-12-17،
الدكتور عايد المشاقبة
إحالة الأردن إلى مجلس الأمن الدولي ....... لماذا الآن؟



د.عايد سليمان المشاقبة
دكتوراه في القانون الدولي العام

أثار البيان الصادر عن المحكمة الجنائية الدولية بإحالة الأردن إلى مجلس الأمن الدولي، لامتناعه عن تنفيذ أمر الاعتقال الصادر بحق الرئيس السوداني عمر حسن البشير حين زار عمّان في الشهر الثالث من العام 2016 للمشاركة في أعمال القمة العربية التي عقدت في البحر الميت أثار استهجان واستغراب العديد من المتابعين ولا سيما انه جاء في وقت تتعرض فيه المملكة الأردنية الهاشمية إلى هجمة شرسة بسبب موقفها الواضح والصريح من قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل،مما يدفع إلى الواجهة التساؤل المشروع لماذا الآن؟

وبداية لا بد من إلقاء الضوء على الأحكام التي جاء بها نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لسنة 2002 لتنظيم مسألة تعاون الدول الأطراف وغير الأطراف مع المحكمة،اذ انه كقاعدة عامة، فأنه يتوجب على الدول الأطراف التعاون مع المحكمة وتقديم كل أشكال المساعدة فيما تجريه الأخيرة من تحقيقات في الجرائم والمقاضاة عليها،وذلك حسب ما نصت عليه المادة(86) من نظام روما المشار إليه بنصها على أن"تتعاون الدول الأطراف، وفقاً لأحكام هذا النظام الأساسي، تعاوناً تاماً مع المحكمة فيما تجريه، في إطار اختصاص المحكمة، من تحقيقات في الجرائم والمقاضاة عليها"، وتتعدد صور وأشكال التعاون التي من الممكن أن تطلبها المحكمة من الدول الأطراف، بحيث تشمل " تحديد هوية، ومكان وجود الأشخاص أو موقع الأشياء، جمع الأدلة، بما فيها الشهادة بعد تأدية اليمين، وتقديم الأدلة بما فيها آراء وتقارير الخبراء اللازمة للمحكمة، استجواب الشخص محل التحقيق أو المقاضاة، إبلاغ المستندات، بما في ذلك المستندات القضائية، تيسير مثول الأشخاص طواعية كشهود أو كخبراء أمام المحكمة، حماية المجني عليهم والشهود والمحافظة على الأدلة.

وقد أجاز النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية واستثناءا من القاعدة العامة في التعاون، للدول الأطراف رفض الطلب الخاص بالمساعدة القضائية في حالات معينة ،منها يستنج بمفهوم المخالفة وهي، ما ورد في البند "ل" المادة"93"، إذا كان طلب المساعدة يحظره قانون الدولة الموجه إليها الطلب، وكذلك الفقرة "4"من المادة ذاتها،إذا تعلق طلب التعاون بتقديم أية وثائق أو الكشف عن أية أدلة تتصل بأمنها الوطني، وكذلك ما جاء النص عليه صراحة، في المادة "98"، الذي سيعرض لها لاحقا.

ولا يقتصر حق المحكمة في طلب التعاون على الدول الأطراف بل من الممكن أن يمتد إلى الدول غير الأطراف، وبالتالي للمحكمة أن تدعو أي دولة غير طرف في النظام الأساسي إلى تقديم المساعدة المنصوص عليها في الباب التاسع من نظام روما، وذلك على أساس ترتيب خاص أو أتفاق مع هذه الدولة أو على أي أساس مناسب آخر(المادة (87) من النظام الأساسي للمحكمة).

والسؤال ما هو مدى أثر قرار مجلس الأمن الدولي بإحالة "قضية" إلى مدعي عام المحكمة الجنائية الدوليّة يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من الجرائم التي تقع ضمن اختصاص المحكمة قد ارتكبت، وذلك وفقا لأحكام الفقرة(ب) من المادة(13) من نظام روما الأساسي على تعاون الدول سواء الأطراف أم غير الأطراف فيها؟

حقيقة يظهر هذا الأثر في حالة عدم استجابة الدول لطلب التعاون المقدم لها من جهة المحكمة، حيث أجاز النظام الأساسي في المادة(87/7) للمحكمة في مثل هذه الحالة، أن تحيل مسألة عدم التعاون إلى جمعية الدول الأطراف أو مجلس الأمن إذا كان هو من أحال الموقف إلى المحكمة، والإجراء نفسه تملكه المحكمة في حالة كان عدم الامتثال لطلب التعاون من الدول غير الأطراف.

مما يعني بمفهوم المخالفة، أن القضايا التي لم تحال من مجلس الأمن إلى المحكمة،وإنما أحالتها دولة طرف،أو غير طرف قبلت باختصاص المحكمة، أو قام بتحريكها المدعي العام ذاته، وتمتنع فيه هذه الدولة المُحال إليها طلب التعاون فأنها لا تخضع في هذه الحالة إلى رقابة مجلس الأمن جراء امتناعها عن طلب التعاون، بل تخضع فقط لرقابة جمعية الدول الأطراف، فدور مجلس الأمن محصور في الحالات التي يحيلها هو إلى المحكمة الجنائية الدولية ،وللمجلس هنا –كما يرى بعض الفقه- أن يُصدر قراراً يذكّر فيه الدولة الطرف بالتزاماتها الناشئة عن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدوليّة مشتملاً مثل هذا القرار، إما على تدابير غير ملزمة وفقاً للفصل السادس، وإما على تدبير ملزمة وفقاً للفصل السابع من ميثاق هيئة الأمم المتحدة.

يتضح من أعلاه أن النصوص القانونية واضحة في إلزام الدول الأطراف او غير الأطراف بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية ،ولكن الذي يثير الريبة والشكوك حول النية الحقيقية التي دفعت المحكمة الآن إلى إحالة الملف إلى مجلس الأمن الدولي مع انه كان بإمكانها إحالته إلى جمعية الدول الأطراف كإحدى الخيارات والتي من صلاحياتها حسب نص المادة(112/2/و) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية النظر في أية مسالة تتعلق بعدم التعاون،فضلا على انه مضى ما يقرب من سنة على مشاركة الرئيس البشير في أعمال القمة العربية في الأردن،كما أن ثمة سابقة لم تتحرك المحكمة بشأنها وهي زيارة الرئيس عمر حسن البشير إلى جنوب أفريقيا عام 2015 وأحجم هذا البلد عن اعتقاله، غير أن المحكمة الجنائية الدولية لم تقرر إحالة جنوب أفريقيا إلى مجلس الأمن الدولي، وقالت آنذاك إنه ليس واضحا أن هذه الإحالة ستحقق أي أثر.

حقيقة بالرجوع إلى نص المادة(98) من نظام روما الأساسي والتي لا تجيز للمحكمة أن توجه طلب تقديم أو مساعدة يقتضي من الدولة الموجه إليها الطلب أن تتصرف على نحو يتنافى مع التزاماتها بموجب القانون الدولي فيما يتعلق بحصانات الدولة أو الحصانة الدبلوماسية لشخص أو ممتلكات تابعة لدولة ثالثة ما لم تستطع المحكمة أن تحصل أولا على تعاون تلك الدولة الثالثة من اجل التنازل عن الحصانة، نجد أنها توجب على المحكمة الجنائية الدولية أن تطلب من الدولة التي يحمل المتهم جنسيتها التنازل عن حصانة ذلك الشخص والمعترف له بها(البشير) بناء على تشريعات دولته او قوانينها قبل اتخاذ أي إجراء بما فيها الاتهام او أوامر التوقيف ،فإذا ما رفضت دولة المتهم رفع الحصانة فانه لا يجوز قانونا وفق نظام روما الأساسي أن تلجأ المحكمة للدولة الغير الذي يوجد ذلك الشخص على إقليمها(الأردن) لتطلب تسليمه بقصد محاكمته،وبما أن السودان دولة الرئيس المعني بأمر الاعتقال لم ترفع الحصانة عنه فان النتيجة أن المحكمة الجنائية الدولية لا يمكن لها طالما انه لم يتحقق شرط التنازل عن الحصانة أن تطلب من الأردن أو غيرها ابتداء المساعدة سواء في مرحلة التحقيق او المقاضاة في قضية الرئيس السوداني أو أي قضية مماثلة،وبخلاف ذلك فان تنفيذ الأردن لأي طلب من المحكمة لا يتحقق فيه هذا الشرط يعني مخالفة منها لالتزاماتها بموجب القانون الدولي والتي تنص على احترام الحصانة الممنوحة لأشخاص معينين بموجب التشريعات الداخلية للدولة التي يحملون جنسيتها وذلك تجنبا لتوتر قد يصيب العلاقات بين الدولتين اذ ما تعمدت تسليمهم دون موافقة دولتهم.

وبالتالي يمكن للأردن الاستناد إلى عدم توافر شرط التنازل عن الحصانة الذي تضمنه نص المادة(98) أعلاه لتبرير موقفها من عدم تسليم الرئيس السوداني عمر حسن البشير او اعتقاله أثناء مشاركته في القمة العربية التي انعقدت على أراضيه في الثلث الأول من العام الماضي.