الشريط الإعلامي

هل الولايات المتحدة دولة دينية؟

آخر تحديث: 2017-12-16، 07:33 am
باسم الطويسي


يعيد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول القدس النقاش مجددا حول دور الدين المتنامي في المجتمع والدولة في الولايات المتحدة، في ضوء أنباء عن ضغط شديد ومتواصل مارسته المسيحية الصهيونية والمحافظون الأقرب إلى الرؤية الاسرائيلية، ما كان له دور أساسي في دفع الرئيس دونالد ترامب إلى اتخاذ قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها. إضافة إلى علاقة مستشار الرئيس وصهره جاريد كوشنر اليهودي المعروف بتمويله للمستوطنات بهذه التحولات، في الوقت الذي بات كوشنر يسيطير على الكثير من ملفات الخارجية الأميريكية وتحديدا ما يتعلق بالشرق الأوسط وصراعاته في ظاهرة غريبة على السياسة الخارجية الأميركية حيث يتراجع دور المؤسسات والنخب المنتخبة لصالح مجموعات متدينة ذات ثقل اقتصادي وتخلط بين العواطف والمصالح بطريقة شاذة.
تعبّر تصريحات مايك بنس نائب الرئيس الاميركي وسلوكه السياسي والإعلامي عن جانب من هذه النزعة القوية والصادمة، ولقد برز ذلك التطور في حجم النخب من المتدينين الإنجليين في حملة الرئيس الانتخابية من مستشارين وأعوان وداعمين أحاط الرئيس نفسه بهم ، وترجم هذا الأمر أيضا في حفل تنصيب الرئيس، وتقوم الفرضيات الدينية لليمين الديني على نبوءات وهوس ديني يرتبط بمقولات الوعد الغلهي لليهود.
وفي الوقت الذي رفض فيه معظم المسيحيين في العالم قرار ترامب بقوة وعلى رأسهم البابا فرانسيس الثالث رأس الكنيسة الكاثوليكية، الديانة الاكثر انتشارا، الذي وصف ترامب بأنه ليس مسيحيا، تصر تلك المسيحية الصهونية على أن إنشاء اسرائيل ما هو إلا تحقيق لنبوءة التوارة. وينقل عن الأسقف السابق للقدس رياح أبو العسل، قوله إن "فكرة اختيار الرب شعبا ومنحه قطعة من الأرض هو مهين لصفات المقدس، أنت تقلل من قيمة الرب العظيم، وتجعله تاجر عقارات يميّز طرفا على آخر".
من المعروف ان الولايات المتحدة قد أُسّست على ثوابت علمانية راسخة حيث ينطلق الدستور الاميركي من "فكرة الشعب" وليس من عقيدة دينية، ولا تظهر كلمة الدين في أي من بنود الدستور إلا فيما يمنع أي تمييز على أساس ديني. هناك محطتان رئيسيتان يمكن التوقف عندهما في تسلل الخطاب الديني إلى المؤسسة السياسية الأميركية؛ الأولى مع بداية الحرب الباردة وظهور توظيف الخطاب الديني في مواجهة المد الشيوعي وحضور ما يسمى النزعة المكارثية، وبرزت عبارات دينية في استخدامات رسمية، والمحطة الثانية هي في سلوك المحافظين الجدد الذين حكموا الولايات المتحدة مؤخرا في عهد الرئيس جورج بوش الذي أعلن صراحة أن بلاده تشهد صحوة دينية وأن "الولايات المتحدة تعود الى ربها". وتعود جذور هذا التحول الى حقبة الرئيس رونالد ريغان، ويمكن وصف المرحلة الراهنة في عهد ترامب بأنها امتداد آخر لمرحلة المحافظين الجدد ولكن بوجود العديد من الاختلافات السياسية والفكرية.
ان فكرة حرب الله مع الجنود قديمة وهي متغلغلة في فكر المسيحية الصهونية وهي أقدم من افكار المتطرفين الإسلامين، فقد أثارت خيال المجتمع الأميركي المتدين حينما انتصرت العصابات الصهيونية لاول مرة في حرب فلسطين الاولى ما دفع الولايات المتحدة للاعتراف باسرائيل بعد ساعة واحدة من إعلان الكيان الاسرائيلي، وهو ما حدث بعد عام 1967 حيث حرّضت النخبة المتدينة الصهيونية على أن الرب هو الذي انتصر.
لا شك أن المجتمع الاميركي غير متصالح بالمجمل مع هذه التوجهات، وما تزال النزعة العلمانية هي الأعمق، ولكن لا يمكن إنكار أن التدين اليميني يزدهر وبات يتسلل الى عالم السياسة بقوة ليس بفعل القواعد الشعبية وحدها بل بفعل الدعم الهائل الذي تقدمه الصهيونية العالمية وما تملكه من أدوات ضغط وتأثير.