الشريط الإعلامي

مشروع تعديل قانون الجرائم الإلكترونية

آخر تحديث: 2017-11-30، 07:30 am
اية عبداالله الاسمر
في ظل الأوضاع الراهنة التي تزعزعت فيها ثقة المواطن بالحكومة أصبحنا نترقب كل ما يصدر عن الحكومة كل يوم بحذر المتربص وخوف الضحية وعدائية الخائف، هكذا استقبلنا خبر الإعلان عن مسودة مشروع قانون معدل لقانون الجرائم الإلكترونية، وهذا ما دفعني لحضور الحلقة النقاشية التي تم عقدها في مقر معهد «تضامن» حول أهم أسباب وإفرازات المشروع وتداعياته على الحياة الديمقراطية على الساحة الوطنية، في ظل واقع إلكتروني فرض نفسه على أدق تفاصيل حياتنا، حتى أننا أصبحنا نتبادل مشاعر الحب والكراهية إلكترونيا بعيدا عن رسائل غسان كنفاني وجبران خليل جبران التي أحرقت أوراقَها شاشاتُ الهواتف الذكية، وغدونا نطمئن على أحوال أحبابنا عبر الأثير الذي اندثرت خلف سحبه ملامح وجوههم وذكريات الأمس معهم، وبتنا نستفتي في مشروعية الطلاق الإلكتروني ووجوب وقوعه من عدم جوازه! الهاجس الأكبر لكل أولئك المتوجسين من تعديلات القانون هو تغليظ العقوبات وتشديد المحاذير في هذا القانون، إلا أن الواقع الإلكتروني الراهن يفرض عدة أمور لابد من وضعها في إطار الحسبان، من بين هذه الأمور نذكر المستجدات الإلكترونية التي لم تكن مذكورة في القانون القديم كاختراقات الحسابات الشخصية وسرقة المعلومات الخاصة ومسائل الابتزاز والتهديد، وهذا يقودنا إلى مسألة غاية في الأهمية ألا وهي أهمية هذا القانون بالنسبة للفئات المستضعفة في المجتمع، كالقاصرين والنساء والجاهلين بحقوقهم أمام دهاليز التكنولوجيا لمجتمع إلكتروني محشو بالغث قبل السمين، ومحفوف بالعصابات الإرهابية والأفكار الهدّامة والسلوكات الشاذة، وخطابات الكراهية والعنصرية المتناثرة في غياهب الفوضى. نصف الكوب الفارغ من الشبكة العنكبوتية صار يمثل كابوسا حقيقيا للكثير من أبنائنا وبناتنا الذين يتعرضون للتهديد والابتزاز من خلال الرسائل والصور الإلكترونية، وتتضرر المرأة بصورة خاصة من جراء هذا التهديد والابتزاز، والذي وصل إلى ذروته مؤديا إلى درجة الانتحار في الكثير من الأحيان، مرورا بالرضوخ والانصياع والانحراف والانجراف في أحيان كثيرة أخرى. إلا أننا ككتّاب أو أصحاب رأي وفكر نتوجس من إمكانية تحويل هذا القانون إلى أداة قمع لتكميم الأفواه وإلغاء لغة الحوار بين المواطن والمسؤول، في ظل مجتمع نزعم أنه مجتمعا ديمقراطيا يرتكز على السلطة الرابعة في مراقبته ومساءلته ومحاسبته لمسؤوليه، ويحق لنا أن نتساءل عن جدية ومصداقية وجود آليات ومعايير من شأنها أن تضبط الميزان دون المساس بحقوق المواطن وحقه في التعبير عن رأيه والذي كفله له الدستور الأردني بموجب المادة الخامسة عشر من الدستور «تكفل الدولة حرية الرأي ولكل أردني أن يعرب بحرية عن رأيه بالقول والكتابة والتصوير وسائر وسائل التعبير بشرط أن لا يتجاوز حدود القانون، الصحافة والطباعة حرتان ضمن حدود القانون، لا يجوز تعطيل الصحف ولا إلغاء امتيازها إلا وفق أحكام القانون، يجوز في حالة إعلان الأحكام العرفية أو الطوارئ أن يفرض القانون على الصحف والنشرات والمؤلفات والإذاعة رقابة محدودة في الأمور التي تتصل بالسلامة العامة وأغراض الدفاع الوطني، ينظم القانون أسلوب المراقبة على موارد الصحف»، على أن يلتزم الطرف الآخر بالمقابل بالابتعاد عن خطاب الكراهية التحريضي وإثارة النزاعات والفتن، وكيل اتهامات الذم والقدح والتشهير، ضمن منظومة قانونية واضحة وعادلة وحازمة بعيدا عن أي اعتبارات جانبية حسّاسة وجائرة ليتم التطبيق على الوزير قبل الغفير. نعم أنا مع مشروع التعديل حماية لكرامة بناتنا وأبنائنا وخصوصية المواطن الأردني وسمعته، وأمن الوطن وسلامته، واستقرار الدولة وأمانها، لأننا كمجتمعات وبحسب مقدمة ابن خلدون نميل إلى التفلت والانفلات أكثر من ميلنا إلى الامتثال والانتظام، إلا أنني في الوقت ذاته وبالقدر نفسه مع الاحتفاظ بحقنا في نقد سياسة الدولة ومساءلة مسؤوليها نقدا بناء موضوعيا ومساءلة شفافة نزيهة، حفاظا على مكتسبات الحياة الديمقراطية التي نعيش في كنفها، واحترما لسياسة باب الحوار الديمقراطي المفتوح، والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال العودة بها إلى الوراء في زمن يتقدم لاهثا بخطى محمومة إلى الأمام!