الشريط الإعلامي
عاجل

مفارقة التطرف والإرهاب في أوزبكستان

آخر تحديث: 2017-11-06، 08:14 am
حسن أبو هنية
 أثارت العملية الأخيرة التي نفذها شاب أوزبكي في نيويورك أخيراً جملة من الأسئلة العميقة حول مسألة العنف والتطرف في الحالة الأوزبكية، وذلك بعد أن تكررت العمليات «الإرهابية» التي نفذها أوزبكيون في دول عديدة حول العالم، وعلى الرغم من المنظورات والمقاربات المتنوعة للحالة الأوزبكية إلا أن ثمة رابطا يجمع بين مختلف الباحثين يتمثل بتطبيق نهج من الدكتاتورية المفرطة وما يتبعها من غياب الديمقراطية والتعددية والحرية والعدالة الاجتماعية. في سياق الكشف عن تنامي ظاهرة العنف والتطرف والإرهاب في الحالة الأوزبكية تساءلت جوليا يوفي في مجلة «ذا أتلانتك» لِمَ أصبحت أوزبكستان مصدر العديد من الإرهابيين؟، وكتبت مارلين لارويلفي مجلة «فورين أفيرز» مقالة بعنوان»مفارقة الإرهاب الأوزبكي أو السلام في المنزل، والعنف في الخارج»، وقد استدعت حادثة نيويورك استعراض عدد من الهجمات التي نفذها أوزبكيون في مناطق عديدة خلال الأونة الأخيرة، وقد كان لافتا أن معظم هؤلاء ثبتت صلاتهم بتنظيم «داعش» سواء من خلال خلايا وشبكات أو كذئاب منفرة وخلايا فردية. العملية الأخيرة في نيويورك نفذها أوزبكي يدعى سيف االله سايبوف، يبلغ من العمر 29 عاماً، حيث قام مساء الثلاثاء الماضي في 31 تشرين اول 2017 ،بقتل ثمانية أشخاص وجرح حوالي 11 آخرين دهسًا بشاحنة صغيرة، وكان سايبوف هاجر إلى الولايات المتحدة عام 2010 ،حسب وسائل إعلام أميركية. ورجحت مصادر أن يكون قد دخل الولايات المتحدة بعد أن فاز بقرعة برنامج تأشيرة «هجرة التنوع» أو «الهجرة العشوائية»، وهي قرعة سنوية للحصول على رخصة الإقامة الدائمة والمعروفة بإسم البطاقة الخضراء، بتفويض من الكونغرس وتديره وزارة الخارجية الأميركية، وهو من مواليد شباط 1988 ،ووصل إلى الولايات المتحدة قبل سبع سنوات آتيا من أوزبكستان، ويبدو أنه عاش في ولايات أوهايو وفلوريدا ونيو جيرسي، وقد تبنى تنظيم داعش المسؤولية عن العملية. سلسلة العمليات التي نفذها أوزبكيون خارج أوزبكستان تصاعدت منذ صعود تنظيم (داعش) وفي الأسبوع الماضي، أصدرت إحدى المحاكم في نيويورك حكماً بالسجن لمدة 15 عاماً على رجل متّهم بنقل مساعدات إلى تنظيم داعش، وفي نيسان من العام الحالي، هاجم رجل بشاحنته مجموعة من المشاة في ستوكهولم فقتل 4 أشخاص وجرح 15 آخرين، وفي نيسان أيضاً، هاجم شخص محطّة للقطارات في سانت بطرسبورغ وقتل 12 شخصاً، وقد أطلق عبد القادر مشاريبوف النار على مرتادي ملهى رينا الليلي في تركيا ليلة رأس السنة الماضية فقتل حوالي 40 شخصاً، وفي حزيران 2016 ،هاجم ثلاثة مطار أتاتورك في اسطنبول ممّا أدّى إلى مقتل 44 شخصاً وسقوط 240 جريحاً، وكان القاسم المشترك بين جميع هؤلاء هو تحدّرهم من أوزبكستان، وارتباطهم بتنظيم «داعش». تقع أوزبكستان على مساحة 447 ألف كم مربع، وتضم أكبر عدد من السكان في آسيا الوسطى (32 (مليون نسمة، وتعد بذلك أكثر دول آسيا الوسطى تعداداً، وتعتبر أحد أكثر الدول استبدادية في العالم، حيث بنى رئيس أوزبكستان السابق «إسلام كريموف» نظاما قمعيا عقب تفكك الاتحاد السوفيتي، كما هو حال دول آسيا الوسطى وخصوصا تلك التي يجمعها وادي فرغانة، والذي يعد موئلاً للحركات الإسلامية، وهو واد يقع في منطقة متوسطة بين ثلاث دول، وهي طاجيكستان، وقيرغيزستان، بالاضافة إلى أوزبكستان، وقد شهد الوادي ولادة حركات عديدة تنتمي إلى الإسلام السياسي، أو الحركات الجهادية، حيث برزت في أوزبكستان الحركة الإسلامية الأوزبكية، وحزب التحرير الإسلامي، وقد تأسست الحركة الإسلامية الأوزبكية في كابل، العاصمة الافغانية، عام 1998 ،وهي أقرب إلى التيار السلفي الجهادي. وقد ضمت إلى اللائحة الأميريكية للإرهاب عام 2000 ،وأشار الرئيس الأميركي جورج بوش إلى ارتباطها بتنظيم القاعدة عام 2001. ارتبط تأسيس الحركة الجهادية الأوزبكية منذ تأسيسها بشخصين، أحدهما يعد المنظر الايديولوجي والقائد السياسي، وهو «طاهر يولداشيف»، والآخر «جمبواي خوجييف»، والذي يعرف باسم «جمعة نمانغاني»، وهو القائد العسكري. وقد بدأت الحركة نشاطها من خلال سلسة اعمال العنف بين عامي 1999-2000 ،واستهداف الاجانب، والأهداف الأميركية والاسرائيلية، ومقار الحكومة، وذلك من خلال اعلانهم الجهاد لإسقاط نظام كريموف. أدت الإجراءات القمعية لنظام كريموف إلى تنامي الحالة الجهادية في أوزبكستان، والتي ظهرت في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وكانت هذه الحركة تهدف لفرض الحكم الإسلامي على أوزبكستان، ولهذا قامت حكومة كريموف بحظرها، وتوزع مقاتلوها عبر طاجيكستان وأفغانستان. وبعد سقوط طالبان عام 2001 فروا إلى المناطق القبيلية في الباكستان ومنها شنوا سلسلة من الهجمات على طاجيكستان وأزبكستان، وقد أعلنت الحركة في عام 2014 ولاءها لتنظيم (داعش)،وبحسب جوليا يوفي فإن إجراءات كريموف القمعية لم تحل مشكلة أوزبكستان مع التطرف الإسلامي. بل أدت إلى إجبار الناشطين للعمل تحت الأرض ودفعتهم للهجرة. منذ انهيار الاتحاد السوفيتي أصبحت أوزبكستان موطئا للقواعد الأميركية مع بدء الحرب الأميركية ضد أفغانستان، بعد أحداث الحادي عشر من ايلول، وحسب الباحث مراد بطل الشيشاني تميزت أوزبكستان بنظام قمعي استبدادي عنيف يقوم على كبت الحريات، والقمع، وتعطيل التعددية الثقافية في مجتمعات ما بعد الاتحاد السوفييتي، وبهذا شكلت مرتعاً خصباً لنمو التطرف، والنزعات العنفية، مما يستدعي ضرورة تطوير نماذج من الحكم الرشيد، تستوعب ولا تقمع، وذلك لكي تكون حركات العنف والتطرف معزولة عن المجتمعات، ولا تتغذى على سياسات فاشلة. ثمة اجماع على أن اوزبكستان التي كان يحكمها حاكم بأمره، يدعى إسلام كريموف، تتسم الدكتاتورية وغياب الرشد، و كان كريموف إبان الحكم السوفيتي زعيما للحزب الشيوعي في بلاده، ويحكمها لحساب السوفييت، وعندما انهار الاتحاد السوفيتي، رتب كريموف بذكاء أوراقه، واستمر في حكم اوزبكستان بعد أن تخلى عن الشيوعية، وصنع تحالفات جديدة مع موسكو وواشنطن معا، وبعد هجمات 11 ايلول تحول إلى حليف وثيق للأخيرة، وبات شريكا أساسيا في الحرب على الإرهاب، بعد أن نجح في وصف أية معارضة يواجهها بأنها أصولية أو وهابية، وقد دعمت الولايات المتحدة نظام كريموف وتجاهلت تقارير منظمات حقوق الإنسان التي تتحدث عن آلاف السجناء السياسيين في معتقلاته. بعد ظهور وصعود تنظيم داعش في العراق وسوريا شكلت آسيا الوسطى عموما وأوزبكستان خصوصا خزانا رئيسيا لمقاتلي التنظيم، حيث تدفق جهاديو آسيا الوسطى إلى سوريا والعراق/وتقدر «مجموعة الازمات الدولية» ان ما بين ألفين الى أربعة آلاف مقاتل من آسيا الوسطى توجهوا للقتال في صفوف داعش، وبحسب مجموعة الأزمات يغذي الفقر والفساد والأجواء السياسية الخانقة تحت أنظمة مستبدة، دوافع الشبان للتوجه الى الخارج للقتال. لم تنشر اوزبكستان المحاذية لافغانستان المضطربة، اي تقديرات رسمية لعدد رعاياها المشتبه في انضمامهم لصفوف الجهاديين في الخارج، غير ان مجموعة الازمات الدولية قالت أن أكبر مجموعة منفردة من مؤيدي تنظيم داعش في آسيا الوسطى، هم إما من أوزبكستان أو من إتنية الأوزبك من دول مجاورة. تشير مارلين لارويل إلى أن أوزبكستان، منذ استقلالها في عام 1991 ،من أكثر البلدان قمعا في آسيا الوسطى من حيث الدين، وقد سجن عدة آلاف وبعضهم تعرض للتعذيب بسبب قناعات إسلامية مزعومة، وحسب لارويل من المنطقي أن يؤدي هذا القمع إلى زيادة العنف، وبهذا فإن الرابط بين الدكتاتورية والعنف يبدو مسلما، إلا أن الجدال يقع حول سؤال لماذا تقع الهجمات العنيفة في أمريكا وأوروبا، والجواب أنها تتلقى عقابا انتقاميا لدعمها لأنظمة استبدادية رغم ادعاءاتها بالحرص على دعم الديمقراطية وصيانة حقوق الإنسان، وتلك هي المفارقة.