الشريط الإعلامي
عاجل

استقالة الحريري "زلزال" يدخل لبنان في المجهول

آخر تحديث: 2017-11-05، 08:11 am
أخبار البلد -رصد -  شكلت استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري «مفاجأة مدوية» للقوى السياسية في لبنان لا بل أن كثيراً من المحللين وصفها بـ»الزلزال الكبير». التعبير كان استخدمه الأمين العام لـ»حزب الله» حسن نصرالله عند اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط/فبراير 2015. ولعل المفارقة أن الحريري تحدث في بيان استقالته الذي جاء من الرياض عن أن «الأجواء السائدة في لبنان اليوم تشبه تلك التي سبقت استشهاد والده رفيق الحريري، وأشار إلى انه لمس ما يحاك في الخفاء لاستهداف حياته.

استقالة الحريري في الترجمة السياسية تعني إعلانه نهاية التسوية الرئاسية التي دخلها قبل عام والتي آلت إلى انتخاب رئيس «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية والمجيء به رئيساً للحكومة، والتي اعتبر يومها أنها قد تسهم في وقف انهيار الدولة والمؤسسات الدستورية، وفي الحفاظ على «اتفاق الطائف»، وفي «تحييد لبنان عبر سياسة النأي بالنفس عن الأزمات في المنطقة التي عبّر عنها رئيس الجمهورية في خطاب القسم.
لكن مراقبين كثراً كانوا منذ اللحظة الأولى لدخول الحريري في التسوية تحت شعار «الواقعية السياسية» يرون أن المجيء بعون إلى سدة الرئاسة هو تسليم بالهيمنة الإيرانية على لبنان، وأن أي رهان على رئيس الجمهورية بالتمايز عن «حزب الله» وإيران هو من قبيل الأوهام. مع اشتداد المواجهة السعودية – الأمريكية ضد إيران و»حزب الله»، حط مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي في بيروت ليعلن منها أن لبنان جزء من المنظومة الإيرانية. إعلان لا يمكن لرئيس الحكومة، الزعيم السني الأول في لبنان، أن يغطيه. فالحريري لا يمثل شخصه بل هو يمثل طائفة لها بعدها السياسي العربي وارتباطها بالمملكة، واستمراره في الحكومة كان من شأنه أن يشكل ترسيخاً لالتحاق لبنان الكلي بالفلك الإيراني وأن يوفّر الغطاء الشرعي والوطني لهذا الالتحاق.
ببساطة، رفع الحريري الغطاء عن «حزب الله» الذي كان أمّنه له عبر التسوية، لا بل أنه لم يكتف بالاستقالة فقط، بل أعلن موقفه السياسي بالانحياز إلى المحور العربي في المواجهة مع إيران وحزب الله. يدرك الحريري أن بقاءه في الحكومة مكلف ليس عليه فحسب، بل أيضاً على لبنان الذي التصق بشكل كلي بـ»حزب الله» ولم يرسم خطاً فاصلاً بين الدولة وبين الحزب.
السؤال اليوم: ماذا بعد استقالة الحريري؟ سؤال قد يكون من الصعب الإجابة عليه. فعنصر المفاجأة كبير لدى الخصوم كما لدى الحلفاء. كان «حزب الله» يعتقد أنه قادر على ضمان استمرار التسوية بمكوناتها الحالية على أقله حتى الانتخابات النيابية في أيار/ مايو 2018، والتي كان يأمل منها أن يحصد أغلبية نيابية تمكّنه من الإمساك بالبلد عبر الآليات الدستورية وليس عبر سلاحه. ثمة واقع جديد فرضته خطوة الحريري بقلب الطاولة.
الأكيد أن لبنان مقبل على تطورات كبيرة. في الأصل، كان الجميع يترقب العقوبات الأمريكية وتداعياتها على الوضع الاقتصادي والمالي في البلاد. وكان هناك انتظار لحجم الضغط الأمريكي على الأطراف الحليفة لـ»حزب الله» حيث يخول القانون الأمريكي المنتظر أن يضيف الرئيس أي شخصية إلى لائحة العقوبات لارتباطها وتحالفها مع الحزب. اليوم بات المشهد ضبابياً أكثر، لا بل أنه سوداوي أكثر. فالمخاوف من انزلاق لبنان في اتجاه التوترات الأمنية جدية، وإمكانية عودة الاغتيالات السياسية على غرار المرحلة السابقة ليست مستبعدة، ولا مستبعدة عودة التفجيرات الأمنية تحت غطاء إرهاب خلايا «تنظيم الدولة» (داعش) «وجبهة النصرة». 
صورة الاصطفاف السياسي السابق بين قوى الرابع عشر من آذار وقوى الثامن من آذار ستعود بشكل أو بآخر. لكن التحديات تتخطى في حقيقة الأمر الوقائع اللبنانية إلى ما يجري في الإقليم. فالسياسة الأمريكية حيال مرحلة ما بعد «داعش» واضحة لجهة أن نهاية «داعش» بما هي مصنفة إرهاب التنظيمات المتطرفة السنية، تُشكّل بداية لإنهاء إرهاب التنظيمات المتطرفة الشيعية وعلى رأسها «حزب الله» الذي يشكل الذراع الأكبر والأهم من أذرع إيران في المنطقة. 
الاستراتيجية الأمريكية لدونالد ترامب ومعها التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية رسمت مسارها منذ قمم الرياض وحددت أهدافها بتحجيم إيران وضرب نفوذها وأذرعها الممتدة إلى دول عربية وخليجية وحتى دول أفريقية ودول أمريكا اللاتينية. ضرب أذرع إيران العسكرية بات هدفاً معلناً، والمنطقة مقبلة على اشتباك كبير في هذا الإطار، بدءاً من سوريا مروراً بالعراق واليمن وصولاً إلى لبنان.
كان الاعتقاد أن استهداف «حزب الله» في لبنان سيتم بـ»القوة الناعمة» عبر العقوبات المالية ضده وعبر رسم خط الفصل المطلوب بين الدولة والحزب، وأنه سيتم استهدافه بـ»القوة الخشنة» حيث هو منخرط في الحروب في الإقليم. هذا الاعتقاد ما عاد مسلّماً به. الكرة أضحت في مرمى الحزب وإيران ومدى قرارهما على التراجع خطوات إلى الوراء. إيران قد لا يضيرها أن تقامر بشيعة لبنان، ولكن ماذا عن «حزب الله»؟ هل هو قادر أن يتحمل تبعات وتداعيات جر بيئته الحاضنة وطائفته إلى دفع أثمان كبرى بعد. فالجنوب اليوم يُوصف على أنه «جنة لبنان»، فهل يمكن المغامرة بأخذ الجنوبيين إلى حرب مدمرة تهجّرهم وتفقدهم أرزاقهم وممتلكاتهم من جديد؟ هل يمكن أن يقامر «حزب الله» بالأمن في لبنان، وهو الذي يدرك أن مئات الآلاف من النازحين السوريين الذين هجرهم من قراهم السورية هم قنبلة موقوتة قابلة للانفجار إذا وجدت أرضية مؤاتية لها.
استقالة الحريري إعلان لنهاية تسوية، وما أطلقه من حيثيات للاستقاله إعلان بأن الرجل عاد إلى المربع الأول لمرحلة ما بعد اغتيال رفيق الحريري ومعه عاد لبنان إلى المواجهة، مواجهة أدواتها الراهنة الصمود حتى تمر العاصفة. فبعد العاصفة يمكن إعادة الاعتبار للحياة السياسية والكلام عن قوة التوازن لا توازن القوة، الذي اختلّ يوم ظن الغرب ومعه كثيرون من العرب أنه بالإمكان فك الارتباط بين الرئيس السوري بشار الأسد وإيران. سوريا هي بداية شرارة الأزمة الإقليمية ومنها قد ُترسم النهاية!