الشريط الإعلامي

التهديد الإسرائيلي للأردن... الحرية والعقل والسياسة هي الحل

آخر تحديث: 2017-10-23، 08:22 am
رومان حداد
أتذكر حين خرجت علينا كونداليزا رايس عام 2004 لتعلن بداية الفوضى الخلاقة في المنطقة كيف انهالت الأقلام هجوما عليها، وناقشت مدى أخلاقية النظرية ومدى جواز إصدار هذه النظرية، وكالعادة أوسعناها شتماً وفازوا بالإبل. وبالطبع كانت هناك أمثلة سابقة كثيراً كالجدل الذي أثاره المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما بكتابه الإنسان الأخير ونهاية العالم، ومن بعده المفكر صامويل هنتغتون بكتابه صدام الحضارات وإعادة صناعة نظام عالمي، حيث تصدى الكتاب لمناقشة الأفكار أخلاقياً، دون التعمق بالأفكار المطروحة بكلا الكتابين التي حكمت العقلية السياسية الأميركية لما يزيد عن عقدين ونصف العقد، ولم نفكر بنظريات بديلة نطرحها نحن على الطاولة، لتكون هي محور النقاش، أو لنقدم بدائل عن تلك الأفكار. سبب هذا الكلام اليوم هو ما نقرأه بوسائل الإعلام الأردنية المختلفة في الهجوم على مؤتمر القدس الذي كان مضمونه الرئيس أن الأردن هو فلسطين، واستضاف أشخاصا يتمتعون بالجنسية الأردنية، بالإضافة إلى سياسيين وعسكريين ومفكرين إسرائيليين. فحوى الهجوم المتأخر على المؤتمر كان حول أهمية من حضر المؤتمر ممن يحملون الجنسية الأردنية، وثقلهم داخل المجتمع الأردني، وشرعية معارضتهم ووجوددهم خارج الأردن، وتم الهجوم من قبل سياسيين وحزبيين ونقابيين على هذا المؤتمر، دون وجود قراءة حقيقية لما دار في المؤتمر والبحث في مضمونه ومدى خطورته. اليوم نحن مطالبون أكثر من أي وقت مضى أن نعمل بتفكير حر للتأسيس لتصور أردني متكامل عن دور الأردن كدولة في المرحلة القادمة في المنطقة، وتصور واضح لطبيعة الصراع الأردني الإسرائيلي، والذي بات يأخذ حرفياً ما كان شعاراً في زمن قديم (الصراع صراع وجود وليس صراع حدود). اليوم تحاول إسرائيل عبر مراكز دراساتها أن تضع فرضية جديدة للصراع والحل، قائمة على أساس أن الأردن هو فلسطين، وتحاول العمل على نشرها لتتحول إلى حقيقة من حقائق الصراع التي يجب أن يتم التعامل بجدية في الوصول إلى حل. هذه القراءة الإسرائيلية للصراع ليست جديدة تماماً، ولكنها بدأت تأخذ مشروعيتها مع إدراك جميع أطراف الصراع استحالة الوصول إلى حل الدولتين بعد التغييرات الكبرى التي تمت على الأرض، وكذلك استحالة تحقيق حل الدولة الواحدة لما فيه من تهديد ديمغرافي على من يحملون فكرة دولة إسرائيل اليهودية. ما نحتاجه اليوم حالة من الحرية الفكرية العالية لتقديم قراءات ومقترحات تساعدنا في بناء تصور أردني لما يواجهه من تهديدات، مع إدراكنا أن المنطقة تعيش حالة حراك غير مسبوقة تجعل الاصطفافات والتحالفات غير مستدامة، فكل من يوجد في المنطقة يحاول الوصول إلى أفضل حل ممكن له في ضوء التغييرات الكبرى الموعودة في المنطقة. وبالإضافة إلى الحرية الفكرية لا بد من حيوية في عقل الدولة المركزي ولدى صانع القرار بالانفتاح على القراءات المتعددة، وما تواجهها من إشكاليات أو تأثيرات جانبية، كما يتطلب ذلك حيوية من الحالة الفكرية والسياسية، حيث يطلب من الجميع (مفكرين، سياسيين، أكاديميين مميزين) الإدلاء بآرائهم ومقترحاتهم للوصول إلى تصور عملي مقبول رسمياً وشعبياً، وقابل للتطبيق على أرض الواقع. ما يواجهه الأردن من تحديات وجودية اليوم تعد أكبر تحديات له منذ أحداث أيلول عام 1970 ،والتي انتصرت فيها الدولة على مشروع اللادولة الذي حاولت مجموعات تحت شعارات قومية تحقيقه، واليوم كما قبل يجد الأردن نفسه شبه وحيد في منطقة يُعاد تشكيلها، وعليه مرة أخرى أن يؤمن بذاته ليؤكد قدرته المتجددة على مواجهة التحديات والخروج منها منتصراً كما تشير أسطورتنا الأردنية.