الشريط الإعلامي

دروس وعبر من كردستان العراق

آخر تحديث: 2017-10-19، 08:13 am
حازم عياد

اثبتت الاستراتيجية الايرانية التركية فعاليتها في التعامل مع ملف كردستان العراق؛ اذ استثمرت الدولتان على مدى السنوات الماضية اقتصاديا وسياسيا وامنيا في كردستان العراق، ولم تتركا الساحة الكردية مرتعا للنفوذ الامريكي والالماني والاسرائيلي الذي عرف عنه نشاطه الاستخبارتي والمخابراتي في كردستان العراق؛ لتختبر الدولتان عمليا هذا الاستثمار السياسي وتحولاه الى سلوك وفعل سياسي في لحظة الازمة مستفيدتين من تماسهما الجغرافي مع كردستان العراق.

فتركيا استثمرت اقتصاديا وكانت الشريك التجاري رقم واحد لكردستان العراق والمنفذ البري والجوي لاربيل، بل شريان الحياة لتصدير النفط من الاقليم فضلا عن استضافتها العديد من القوى السياسية الكردية الفاعلة في الساحة فنشاطها الاستخباري تفوق على النشاط الالماني.
أما ايران فقد استثمرت في الاقليم اقتصاديا، غير ان استثمارها الاكبر جاء من خلال الانفتاح على حزب الاتحاد الديمقراطي بزعامة الراحل جلال طالباني وزوجته «هيرو إبراهيم» المستاءة من نفوذ عائلة البرزاني، كما كان لدور طهران في الحرب الدائرة في العراق اثر كبير في تعزيز حضورها الامني الذي نافس الحضور الامريكي والالماني والاسرائيلي في كردستان العراق، بل استطاعت الدولتان ايران وتركيا من تحويل الغرور الممثل بالنفوذ الاسرائيلي المقلق وبمهارة عالية الى عنصر استنفار وتعبئة مجتمعية كردية واقليمية.
فعدم ترك الساحة الكردية مرتعا للنفوذ الاسرائيلي والالماني والامريكي كان الدرس الاول الذي يمكن تلقيه من تركيا وايران، وتوظيف الخطر الصهيوني كرديا وعربيا واقليميا كان الدرس الثاني؛ فمخطئ من يعتقد ان التحالف مع الكيان الاسرائيلي يمثل ضمانة امنية للبقاء والديمومة والاستقرار كما حدث مع «مسعود برزاني» الذي دخل في مواجهة ليس مع تركيا فقط بل مع المجتمع والشعب الكردي؛ فطهران وانقرة تعاملتا مع الحقائق الصلبة لهوية المنطقة الثقافية والحضارية لا مع ترهات المشاريع الغربية الاستشراقية الفوضوية والفجة وباتتا طهران وانقرة فاعلا ومعلما أستاذا في هذا المجال.
طهران وانقرة لم تقفا عاجزيتين امام الازمة بعيد اندلاعها متفرجتين على تطور الاحداث بحسرة وقدرية كما اعتاد العرب بل على العكس كانتا فاعلتين على مختلف الصعد وقادرتين على التعاون ايضا متجازوتين خلافاتهما؛ وهي رسالة لدول الاقليم الغافلة عن التطورات الحاصلة في الاقليم والتي افضت الى صعود القوة الايرانية والتركية كقوى متعاونة فيما بينها متجاوزة خلافاتها عندما يتعلق الامر بأمنها ومصالحها الحيوية وهو الدرس الثالث الذي قابله عربيا صراعات وانقلابات أطاحت بقوى إقليمية وسياسية فاعلة بدل التعاون والتوافق والحوار معها معمقة بذلك الانقسامات والصراعات السياسية والاجتماعية لتتحول الى حروب استنزاف وازمة خانقة للدول العربية.
على الدول العربية كبيرها وصغيرها ان يدرك ان ما حدث قابل للتكرار، فالدولتان دخلتا في سباق اقليمي لا يخلو من التعاون والتنافر، غير انه يفضي الى توسيع مظلة النفوذ وتوثيق أواسط التعاون الاستراتيجي على حساب النفوذ الامريكي المستهلك شعبيا وسياسيا والمستند الى رؤية استشراقية ممجوجة في الاقليم؛ ما يعني ان كلا الدولتين ستعمدان الى تأمين مصالحهما في المنطقة بذات الطريق ان تتطلب الامر بعد ان نجحا في التعامل مع الفوضى الاقليمية المتوقعة عن استقلال كردستان العراق وبمباركة روسية بالتأكيد.
على الدول العربية ان تدرك ان النفوذ التركي والايراني حقيقة صلبة، وان دفاع الدولتين عن مصالحهما استند الى حقائق صلبة أيضا، وليس الى حقائق مرنة وسائلة على شكل مشاريع بلا ارضية ثقافية او تاريخية او جغرافية؛ سيولة برزت بشكل واضح لدى الولايات المتحدة الامريكية؛ فلم تعد الضامن الحقيقي الوحيد للاستقرار في الاقليم، ونفوذها بات ذا طبيعة سائلة وغير مستقر رغم القوة الصلبة التي تمتلكها فهي غريبة عن الإقليم واهله.
ان سيناريو كردستان قابل للتكرار في اماكن اخرى من الاقليم؛ ما يتطلب من الدول العربية ان تبدأ بالتفكير في كيفية تحصين نفسها من خلال تطوير نظمها السياسية وبناء حوارت حقيقية مع شعوبها، وتعريف مصالحها القومية بشكل واضح لبناء شبكة متينة من المصالح لا تعتمد على مفاهيم ذاتية وآنية وسائلة لا تصمد في المواجهات الكبرى؛ فخارطة الإقليم دخلت في مرحلة جديدة من التبلور وإعادة التشكل لا يعول فيها على مقولات تقليدية بل على حلول ومقولات من خارج الصندوق التقليدي في المنطقة، واضعا العرب امام حقيقتين اما ان تكون صاحب خيار الان او ان تكون بلا خيار بعد أيام.