الشريط الإعلامي

أنقذونا من شركات «الهم والمغثة»

آخر تحديث: 2017-10-18، 08:27 am
محمد المزيني
< هاتوا لي شركة خدمية واحدة تنصف مستفيديها بشكل كامل، وتقدم لهم متطلباتهم التي يدفعون عليها مقابلاً من دون نقصان. أكاد أجزم بأن هذا من رابع المستحيلات. هذه الشركات التي تحاول جاهدة اقتناص زبائنها الافتراضيين، وتجاهد لأجل إرضائهم وكسب ثقتهم، فما بالك بالشركات الضامنة بارتياح كامل أو شبه كامل لمستفيديها كشركات الاتصالات والكهرباء والماء التي استحوذت على السوق بلا منافس، أو منازع لا يمتلك معايير القوة والاستحواذ التي تجعلها قادرة على المنافسة بشراسة، كل هذه الشركات بلا استثناء لا تعتد حقيقة بالإنسان ومتطلباته، ولا تراه سوى مصدر مالي يضخ لحساباتها نقداً بـ«طواعية» و«عين صاغرة» على مجمل الخدمات الناقصة التي تقدم له بمنة واستعلاء، فلا يجد وسيلة أو باباً يطرقه ليفتح له وينصف، والعبارة المعلقة دائماً تقول: «ادفع بالتي هي حسن، أو تحمل ما ستلاقيه من حرمان صارم من الخدمة»، ثم ابحث عمن ينصفك ان وجدت. فشركات الاتصالات منذ بداياتها الأولى وهي تستجهل وتستغل المستفيدين بكل شرائحها وباقاتها المبالغ فيها، والتي يراها الكثير أشبه ما تكون بالوهمية، فعندما يطلب باقة من نوع ما بسعر محدد لوقت معلوم يفاجأ المسكين بأنه مطالب بمبالغ كبيرة بحجة تجاوزه «حد الباقة»، مع أن تقنية التحكم ليست تحت تصرفه، وليس هناك من ينصفه أو يبرر هذا السلوك المشين.

 

 

فموظفو الاتصالات لا يجدون إجابة كافية وليست من صلاحياتهم التدخل في ما لا يعنيهم. هنا كأنك تتعامل مع شيء غير موجود، لكنه يتحكم بك ويفرض إرادته عليك، هل هو الشيطان أم الجن؟ لا تعلم!

 

 

هذه شركات الاتصالات، فما بالك بالشركات المنغلقة على ذاتها الوحيدة المتصرفة بملايين البشر كشركتي المياه الوطنية والكهرباء، فهما لهما موال آخر، وعلاقات المستفيدين معهما متوترة دائماً وأبداً، شركة الكهرباء سبق أن تناولتها في أكثر من مقالة في هذه الزاوية. إذاً لنتحدث قليلا عن شركة المياه الوطنية، وسأبدأ معها بسؤال جوهري وخطر، وأقول: هل تستطيع الشركة بشجاعة عالية أن تعترف للمواطن بمياهنا الجوفية الممتدة من الدرع العربي، تلك الملوثة باليورانيوم؟ وماذا فعلت إزاء هذه السموم المنقولة مع هذه المياه؟ هل قامت بواجبها الحقيقي لحماية الإنسان منها كما فعل الأردن وذلك بتركيب مضخات تصفية وتنقية؟ أم تركت الأمر على عواهنه حتى أصيب الآلاف من الضحايا بالأورام السرطانية؟ هذا عدا أمراض النباتات التي نأكل ثمارها ويطعم منها الحيوان، ثم لا نسأل من أين جاءت كل هذه الأورام السرطانية! وهذا جزء من مسؤولية الشركة التي يقع على عاتقها تزويد الناس بما هو أهم ما في حياتهم وهو الماء الصالح للشرب. ثم نأتي للأزمة المستدامة وهي طبيعة علاقتها بالمستهلك، وبتكرار فج ومقيت تمارس الأسلوب القديم ذاته في تجاهل قيمته الانسانية، وأحقيته كشريك لها في الخدمة في أن يلم بكل الظروف التي تدفع الشركة لإيقاف ضخ الماء عنه لأيام وربما أسابيع وأشهر من دون سابق إنذار أو إشعار، ثم لا يجد المستهلك من يجيبه أو يزوده بالماء ليلجأ مرغماً للتزود به من جيبه الخاص، مع أن الشركة نظاماً ملزمة بتعويضه بصهريج مجاني، ولا يأتيه إلا ساعة يطلب على حسابه الخاص لتجدهم يهرولون إليه بكل ترحاب.

 

 

وهذا يطرح سؤالاً شائكاً يوقع الشركة في مغبة التهمة، فهل هي تتحايل على الناس بقطع ضخ الماء كي تنفع بعض المؤسسات المتعاملة معها، وإن كان ذلك كذلك؟ فمن المستفيد حقيقة؟ هل هي الشركة أم بعض المتنفذين فيها الذين يتقاضون رواتب عالية جداً لا ينافسهم فيها أحد؟

 

 

نعود للمربع الأول، أعني قيمة المستهلك الصفرية في كل ما يمارس عليه من حيف وتجاهل. الشهر الماضي تفاجأ كثير من المستفيدين بفواتير مبالغ فيها على غير المعتاد، بعضهم عند السؤال والاستنكار أفادوه بأن ثمة فواتير سابقة مطالب بها، مع أنه منتظم بالسداد، وآخرون وقعوا ضحية الشرائح التي لا يعرف كيف تضاعفت هذه المرة، علماً أن استهلاكه لم يتغير عن المعتاد. وليست هناك سوى الكلمة المعتادة «ادفع ثم اشتك وطالب بما يحلو لك»، هذه العبارة معلقة على ألسنة موظفي الشركة، والمستفيد حقيقة يريد أن يرفع شكوى، ولكن لمن؟ الشرطة أم المحكمة أم النيابة العامة؟ كيف نصلها؟ وما هي آلية الشكوى وصياغة العريضة؟ من هو المحامي الذي سيقوم بذلك على مبالغ يراها تافهة نسبة للقضايا الدسمة التي بين يديه؟ هذا متى ما علمنا أن رئيس ديوان المظالم رئيس مجلس القضاء الإداري في السنة ما قبل الماضية قلص هامش القضايا المرفوعة ضد شركة المياه الوطنية، والتي يسمح لقضاة الديوان بالنظر فيها، إذ أمر بعدم قبول الدعاوى المقامة ضد الشركة المملوكة للدولة بالكامل، مستثنياً بعض القضايا الكبيرة، فما هي حال تضرر المواطن من هذه الشركة وغيرها من الشركات؟ من يفيدنا بهذا الصدد؟

 

 

أعتقد أن الدولة التي أنشأت مركزاً للحوار الوطني لظروف صعبة مررنا بها، أرى اليوم انتفاء الحاجة إليه لأسباب كثيرة ووجيهة ليس هذا مقام إيرادها، تستطيع أيضاً إنشاء ما هو أهم من مركز الحوار، وليكن ديواناً للمظالم الشعبية مرتبطاً بالنيابة العامة ضد المؤسسات والشركات الحكومية منها وغير الحكومية، وليكن مقرّها مبنى مركز الحوار الوطني الشاهق الذي يحتل أهم موقع من الرياض.

 

 

بهذا نكون تجاوزنا تعسف الشركات وجورها واستبدادها، وجعلنا للمواطن صوتاً ذا قيمة يعتد به ويحترم عوضاً عن الاستسلام القسري لضرب مبرح ومتواصل يتلقاه على أيدي الشركات الخدمية العملاقة التي لا ترحم، فهل نفعل؟

 

 

 

 

 

 

 

 

*