الشريط الإعلامي

مستقبل الفيسبوك ومستقبل الديمقراطية

آخر تحديث: 2017-09-30، 08:00 am
باسم الطويسي



بدأت مرحلة جديدة من المواجهة بين الرئيس الاميركي دونالد ترامب وعملاق الإعلام الاجتماعي "فيسبوك"، ومن المتوقع ان يدخل العالم معركة شرسة سياسية وقانونية واقتصادية بعد موافقة فيسبوك على تسليم الكونجرس ملفات لإعلانات سياسية تتهم روسيا بالضلوع من خلالها في حملة للتأثير على الانتخابات الاميركية، ومن المتوقع ان يبدأ الكونجرس الاستماع الاسبوع القادم لشهادات في هذا الشأن لا يتوقع ان تقود الى تحولات دراماتيكية خلال ايام او اسابيع ولكنها حتما ستكون محطة جديدة في تقويض مكانة الرئيس وتزيد من احتمالات تنحيته التي تزداد يوما بعد يوم.
كما سيكون لهذه الاجراءات القانونية اثارها على علاقة التكنولوجيا الجديدة وتحديدا الشبكات الاجتماعية بالديمقراطية، فالنقاش العالمي حول هذه العلاقة يزداد سخونة فيما تزداد الاخبار عن توظيف هذه الشبكات في انتاج الاخبار الزائفة وفي عمليات تأثير كبيرة في الانتخابات ليس في الولايات المتحدة اقوى، ديمقراطية في العالم فحسب، بل في دول اوروبا الشرقية والغربية وفي دول تشهد تحولات ديمقراطية غضة، فمن المعروف ان شبكة الانترنت غير قابلة للسيطرة المركزية ظاهريا كما هو الحال في شبكات الإعلام الاجتماعي، ولكن الذي لا خلاف حوله أن هذه الشبكات طيعة للتأثير والانقياد ويمكن توجيه السلوك السياسي والاقتصادي من خلالها بالنفوذ والسيطرة وقوة المال والاستخبارات والتكنولوجيا، وهذا ما يحدث هذه الايام والذي تذهب اليه التسريبات حول الانتخابات في العديد من دول العالم الى جانب مظاهر متعددة من التأثير في الصراعات.
تشهد الشبكات الاجتماعية العملاقة لحظات تاريخية حرجة بين انتصارها -كما تدّعي الشركات التي تملكها - او ان تخلق حالة من المواءمة مع الاختراق والتوظيف. خلال سنوات قليلة تجاوزت فيسبوك طفولتها واصبحت اكبر شبكة تضم نحو ملياري حساب وقفزت في اسواق المال واحتلت المركز الرابع ضمن اكبر الشركات في سوق الاسهم العالمي، ويصر زوكربيرج رئيس فيسبوك ان شركته تحمي الديمقراطية وتوسعها وانه يقدم الوثائق المطلوبة ويجعلها في تصرف السلطات فيما يؤكد بان فيسبوك ستواصل تقديم الحلول التكنولوجية لحماية المجتمعات من المحتوى الضار.
في المقابل فان سر قوة هذه الشبكات فيما توفره بنيتها التكنولوجية من ادوات هو مصدر قوتها وانتشارها فهي تتيح المجال للحسابات الزائفة او لتجهيل الهوية او امكانيات ارسال المحتوى او الاعلانات السوداء لجمهور محدد بخصائص محددة اي استهداف التأثير، ولا تملك آلية ناجعة للتمييز بين المحتوى الزائف والصحيح ولا الحد من خطابات الكراهية او المحتوى الضار ولا حتى تطور آليات للتنظيم الذاتي تلزم بها المستخدمين. ثمة خطوات تتخذ من قبل دول اوروبية في مراقبة عمالقة هذه الشبكات وتجري الحكومة البريطانية تحقيقاً حول دور "فيسبوك" وكيفية استخدامه لبيانات المواطنين خلال استفتاء الانفصال عن الاتحاد الأوروبي 2016 وانتخابات 2017 وفي المانيا اصوات مرتفعة تقول ان الانتخابات الاخيرة جرت في الانترنت.
ثمة اتجاه واسع بين خبراء واكاديميين في الغرب يردد في هذا الوقت ان الديمقراطية ستكون ضحية كبيرة للانترنت، ربما تصمد هذه المقولة لسنوات قادمة لكن قد تطيح الانترنت وعلى رأسها فيسبوك بالرئيس المغرد ترامب وقد تثبت الوقائع تورطا روسيا من خلال هذه الشبكات ليس في الانتخابات الاميركية بل وفي عدد من الدول، وقد تزداد الادلة على دور الانترنت في تزييف النقاش العام وفي تزييف القدرات الانتقائية للبشر، ولكن في المحصلة ووفق تاريخ الاتصال ستصل الديمقراطية وعالم الشبكات الى نقطة مصالحة كبرى ستقود إلى تغيير شكل الديمقراطية التي عرفناها على مدى ثلاثة قرون.