الشريط الإعلامي
عاجل

نتنياهو يكذب... فلسطين ليست أرضا من دون شعب!

آخر تحديث: 2017-09-28، 09:22 am
شاؤول اريئيلي
انتنياهو يخترع تاريخًا. «حتى سنوات ليست بالكثيرة، هذه البلاد كانت يبابًا مهملة»، قال رئيس الحكومة نتنياهو في تهنئته لأعضاء «الاتحاد الوطني» في مؤتمره هذا الشهر. بهذا تمسك نتنياهو بمحاولته الفاشلة لإعادة كتابة التاريخ وإضافة رواية مصطنعة إلى نظريته. تلك النظرية التي تريد أن تعرض الصراع عبر عيني طائر البطريق ـ بالأسود والأبيض ـ وتتجاهل أن النزاعات والحلول التصالحية موجودة دائما بين تنوعات اللون الرمادي؛ تلك النظرية التي ترفض حل الدولتين، وتقرب إسرائيل من فقدان الرؤية الصهيونية من خلال تفكك أجهزة الليبرالية والديمقراطية.
خلال سنوات كثيرة تجذرت مقولة الزعيم الصهيوني إسرائيل زنغفيل: «شعب من دون أرض يعود إلى أرض من دون شعب» (هناك من ينسبون هذا القول إلى اللورد شفتسبيري الذي كتب في 1884 في مذكراته «أرض من دون شعب لشعب من دون أرض»). من المناسب أن نطرح هنا عدد العرب في أرض إسرائيل والزيادة التي حدثت فيها، كما نشرت من قبل يعقوب شمعوني، سكرتير القسم العربي في الوكالة اليهودية في 1942 ـ 1946 في كتابه «عرب أرض إسرائيل». في 1800 كان في أرض إسرائيل 200 ألف عربي، وفي 1830 ارتفع العدد إلى 250 ألف، وفي 1905 وصل العدد إلى نصف مليون نسمة، وعشية صك الانتداب في سان ريمو في 1920، وصل العدد إلى 600 ألف. حسب الاستطلاع الذي أجرته بريطانيا في 1922 عند المصادقة على الانتداب من قبل عصبة الأمم كان عدد العرب 673 ألف نسمة واليهود 83 ألف نسمة.
فقط 15 ـ 20 من مئة الزيادة السكانية العربية في أرض إسرائيل في فترة الانتداب ـ من 673 ألفا في 1922 إلى مليون و300 ألف عشية إقامة الدولة ـ كانت نتيجة الهجرة. معظم الزيادة جاءت من التكاثر الطبيعي، ونتيجة للانخفاض الكبير في معدل الوفيات.
إذا كان الأمر كذلك فإن أرض إسرائيل لم تكن فارغة تماما. عدد العرب في 1922 كان أكبر من عدد اليهود عندما قامت دولة إسرائيل بعد ربع قرن. كما أنها لم تكن قفرًا. في 1891 كتب احاد هعام، مؤسس الصهيونية الروحانية ومن كبار مفكري الصهيونية: «نحن معتادون في الخارج أن نعتقد، أن أرض إسرائيل هي الآن كلها قفرًا، صحراء من دون زرع، ولكن في الحقيقة الأمر ليس كذلك. في كل البلاد يصعب أن تجد أرضا قابلة للزراعة غير مزروعة. فقط المناطق الرملية أو الحجرية (…) فقط هذه غير مفلوحة».
أيضا لم تكن متروكة. اسحق افيشتاين، مربٍ ومن مجددّي اللغة العبرية في أرض إسرائيل، كتب في مقال له في 1907: بأن «لقد أخذنا في الحسبان كل المواضيع المتعلقة ببلادنا،… ولكن أمرا واحدا نسيناه: يوجد في الأرض التي تطلعنا إليها شعب كامل، يسيطر عليها منذ مئات السنين، ولم يخطر بباله في أي يوم أن يتركها (…) في الوقت الذي نشعر فيه بحب الوطن وبكل الشوق لأرض آبائنا، نحن ننسى أيضا أن للشعب الذي يعيش فيها الآن يوجد قلب حساس وروح محبة. العربي، مثل كل إنسان، مرتبط بالوطن بروابط قوية.
هذا الواقع الديمغرافي ربما غريب عن رئيس الحكومة، ابن المؤرخ، لكنه هو الذي خلق التحدي الكبير أمام الحركة الصهيونية، التي في تطلعها لإنشاء دولة يهودية وديمقراطية، كما أكد نورداو في المؤتمر الصهيوني في لندن في 1920 عندما قال: «من الضروري إيجاد على الأقل 5 آلاف يهودي في أرض إسرائيل في الوقت الذي تحصل فيه بريطانيا على الانتداب على أرض إسرائيل. وإلّا سيحكم على الصهيونية بالفشل». هذا التحدي هو الذي أوجد البند 6 في قرار الانتداب الذي نص على «النظام في فلسطين، وهو يتعهد بأن حقوق ومكانة باقي الأقسام السكانية لا يتم الإضرار بها، سيساعد بشروط مناسبة في تشجيع الهجرة اليهودية».
رئيس الحكومة يواصل ويضيف «عملًا» آخر إلى نظريته «ولكن منذ عودتنا إلى صهيون بعد أجيال من سنوات الشتات، أرض إسرائيل تزدهر». خلافا لأقواله فإن عالم الجغرافيا دافيد غروسمان يقول إنه «من ناحية تجارية عرفت أرض إسرائيل تطورا كبيرا في الثلاثين سنة التي سبقت الهجرة الأولى». إن الزيادة البارزة في عدد السكان العرب في أرض إسرائيل في النصف الثاني من القرن التاسع عشر يفسرها غروسمان بالزيادة الدراماتيكية في عدد الحجاج للأماكن المقدسة في القدس، بعد الاتفاقات في نهاية حرب القرم (1853 ـ 1856)، وشق قناة السويس. فرع الحج إلى الأماكن المقدسة أدى إلى تدفق الأموال، وخلق ضغط على السلطة العثمانية لتحسين طرق المواصلات، وزيادة نجاعة الأجهزة البيروقراطية وزيادة الأمن الشخصي. هكذا شقت الطريق من يافا إلى القدس في 1869، وتم تمديد سكة حديد في 1892. فتح قناة السويس في 1869 حسن قدرة التصدير وأعطى دفعة قوية لتطور فروع البستنة والحمضيات في العقد الذي سبق الهجرة الأولى.
مع ذلك، يجب أن نسجل لمصلحة الهجرة الأولى كما يقول المؤرخ افرايم كارش إن متوسط العمر لدى عرب أرض إسرائيل زاد من 37.5 سنة في الأعوام 1926 ـ 1927 إلى 50 سنة في الأعوام 1942 ـ 1944، مقارنة مع 33 سنة في مصر. كارش يدّعي أن حقيقة هذا التحسين لم يحدث في دول عربية أخرى تقع تحت حكم بريطانيا، تعزز الادّعاء بدور الاستيطان اليهودي في تحسين وضع عرب إسرائيل.
في تقرير لجنة التحقيق برئاسة بيل في 1937، الحكومة البريطانية تشير إلى أنه حسب الإحصاء السكاني في 1922 و1931 يمكن رؤية زيادة واضحة في عدد السكان العرب في المدن المختلطة (86 من مئة في حيفا و62 من مئة في يافا و37 من مئة في القدس). مقابل زيادة معتدلة في مدن عربية مثل نابلس والخليل (فقط 70 من مئة) أو حتى هبوط (2 من مئة) في غزة.
«نحن نبني البلاد ونسكنها، في الجبل، الغور، الجليل والنقب، وفي يهودا والسامرة أيضا. لأن هذه البلاد هي بلادنا». يواصل رئيس الحكومة فيلمه، متجاهلا حقيقة أنه في 1922 أحصى البريطانيون 850 بلدة عربية في أرجاء أرض إسرائيل. ويؤكد هذا في 1969 وزير الدفاع في حينه موشيه ديان الذي قال «جئنا إلى هنا، إلى هذا الجزء من البلاد، الذي كان مسكونا من قبل العرب، نحن نقيم هنا دولة عبرية يهودية. في جزء كبير من الأماكن اشترينا الأرض من أيدي العرب. في مكان القرى العربية أنشئت قرى يهودية (…) ليس هناك مكان واحد لم يقم بدلا مما كان بلدة عربية سابقة». بالنسبة للبناء الإسرائيلي في يهودا والسامرة علينا أن نحيل نتنياهو مرة أخرى إلى أقوال احاد هعام، الذي كتب بخصوص مجموعات معينة: «علينا أن نكون حذرين في تصرفاتنا مع الأغيار الذين نأتي للعيش داخلهم من جديد، علينا أن نتعامل معهم بحب واحترام، وليس هناك مكان للقول بعدل ونزاهة. وماذا يعمل إخوتنا في أرض إسرائيل؟ العكس تماما. عبيدا كانوا في بلاد منفاهم، وفجأة يجدون أنفسهم في حرية مطلقة العنان (…) عندما يحدث دائما لعبد أن يسود، وها هم يتعاملون مع العرب بعداء وقسوة. يحققون غاياتهم من دون عدل».
الادعاءات الكاذبة والصبيانية التي يتمسك في أحيان كثيرة بها نتنياهو تحاول تعزيز الادّعاء الصهيوني في مجالات ليست ذات صلة، والتي تحوله وتحولها إلى مضحكين، شبيها لعدد من ادّعاءات فلسطينية. ابتداء من المذكرة التي قدمت لتشرتشل من قبل اللجنة التنفيذية العربية أثناء زيارته للبلاد في آذار 1921 التي كتب فيها «لا يغيب عن سياسي محنك مثلك أن الأوائل الذين سكنوا في فلسطين منذ الأزل ليسوا سوى العرب العماليق، آباؤنا الأوائل»، وانتهاء بادّعاء عرفات في كامب ديفيد 2000 الذي ينفي فيه وجود الهيكل في منطقة الحرم في القدس.
هذه الادعاءات التي يتم إسماعها فقط من قبل من يشعر بضعف أحقيته، وبموقفه وإيمانه، تضر بالرواية الصهيونية وتضعف قوتها السياسية والقانونية والتاريخية والأخلاقية الثابتة. كما اختار بن غوريون أن يلخص في وثيقة الاستقلال «هذا الاعتراف للأمم المتحدة بحق الشعب اليهودي بإقامة دولته غير قابل للمصادرة. هذا حق طبيعي للشعب اليهودي بأن يكون مثل كل شعب آخر يمسك مصيره بأيديه في دولته السيادية.. ومن خلال حقه الطبيعي والتاريخي وعلى أساس قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة، نحن نعلن بهذا إقامة دولة يهودية في أرض إسرائيل، وهي دولة إسرائيل».