الشريط الإعلامي

لماذا "الطبقة الوسطى"؟!

آخر تحديث: 2017-09-28، 08:07 am
محمد ابو رمان



النتيجة الرئيسة للتقرير، الذي نشرته الغد أمس عن الطبقة الوسطى (وقامت بإنجازه سماح بيبرس) تتمثل في التأكيد على أنّ الطبقة الوسطى تنكمش وتتقلّص (وفق التقرير تقدّر اليوم بـ27.8 %)، وتتعرض لضغوط غير مسبوقة، نتيجة الإنفاق الكبير على التعليم والسكن والنقل، بما يصل إلى ثلثي الإنفاق الكلي، أي الخدمات التي من المفترض أن تكون متوافرة بكلفة أقل بكثير لأبناء الطبقة الوسطى في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.
ولأنّ هنالك غياباً لمسوحات جديدة عن الطبقة الوسطى، على صعيد الدخل والإنفاق، فإنّ هذا التقرير يقدّم توصيفاً جديّاً لأقسام الطبقة الوسطى، مع محاولة تعريفها أردنياً، وتعيين شرائحها المختلفة، العليا، والدنيا، الأكثر تهديداً اليوم، وتمييز الوسطى عن "محدودي الدخل"، وهي تقسيمات مهمة وضرورية كي نفهم الظروف التي تؤثّر على كل شريحة من الشرائح المختلفة.
التعريف العام الواسع للطبقة الوسطى، وفق التقرير، هي تلك التي يتراوح إنفاقها ما بين (750-1166) ديناراً شهرياً، أما الأسر التي يتراوح إنفاقها ما بين (500-666) فهي من الدخل المحدود، أمّا 500 وأقل فهي فقيرة ومعرّضة للفقر.
الآن وفق هذا التقييم، وإذا أخذنا بعين الاعتبار الكلفة الباهظة من النفقات على التعليم والسكن والنقل، لدى الطبقة الوسطى، نستطيع أن نميّز أكثر خصائصها و"الطبقة الوسطى الدنيا" التي هي الأكثر تعرّضاً لخطر الانزلاق إلى الفقر، وهي التي تواجه اليوم تحدّياً كبيراً وأخطر من غيرها.
في ضوء ذلك من المفترض إعادة طرح جملة من الأسئلة المهمة والرئيسة كي نفهم التحولات الاجتماعية، ونضيء أكثر على ما يحدث؛ كيف تؤثر التشريعات الضريبية الحالية، والمتوقعة، على الطبقة الوسطى؟ حجم الإنفاق مع مستوى الدخل؟ أين تتموضع "الطبقة الوسطى التقليدية"، في القطاع العام، من معلمي المدارس وأطباء الصحة والمهندسين وأساتذة الجامعات والموظفين، ضمن المعايير الجديدة، من منها بقي في نطاق الطبقة الوسطى، ومن هو معرّض للانزلاق؟ ومن أصبح من ذوي الدخل المحدود؟! ما هو مصير الطبقة الوسطى في المحافظات، حيث يضعف القطاع الخاص؟ ما هي العوامل التي تساعد على حماية الطبقة الوسطى الدنيا، المهدّدة اليوم، ضمن محدّدات الأزمة المالية التي تعاني منها الدولة اليوم؟!
قبل هذا وذاك من الضروري أن نسأل: لماذا موضوع الطبقة الوسطى مهم؟! ولماذا يكثر التحذير من تقلّصها وربما انهيارها تحت وطأة الأزمتين المالية والاقتصادية؟!
الجواب عن ذلك، مفهوم لدى علماء الاجتماع والسياسة والاقتصاد، عموماً، لكنّه غير واضح لدى القارئ العام، ويمكن تلخيصه بمفهوم "التوازن"، أي أنّ هذه الطبقة هي التي تخلق التوازن المطلوب في الاجتماع السياسي والاقتصاد، بين الطبقات، فهي جسر بين الأثرياء والفقراء، وفي تشكيل المزاج الاجتماعي العام، وفي حماية القيم الاجتماعية والثقافية من الانهيار.
فضلاً عن ذلك فإنّ هذه الطبقة هي أحد أعمدة الاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي، لجنوحها عموماً إلى الاعتدال في مواقفها، لكن – في الوقت نفسه- فإنّ الضغوط التي تهدد هذه الطبقة، هي الأكثر تأثيراً على الاستقرار السياسي والاجتماعي على السواء، وفق أدبيات الاحتجاجات فإنّ محدثي الفقر هم الأكثر خطورة من "الفقراء التقليديين"، لأنّ هذه الطبقة، ويمكن أن نشمل هنا الطبقة الوسطى الدنيا مع الدخل المحدود، تحاول حماية نفسها من الانزلاق، وتقوم بمقاومة الظروف الاقتصادية، ما يخلق ردود فعل لديها، وهي نفسها من يقود المطالبات بالإصلاح السياسي لحماية مصالحها الاقتصادية.