الشريط الإعلامي

تابع ومتبوع!

آخر تحديث: 2017-09-27، 08:52 am
رنا الصباغ



في فضائنا العربي لم ينحصر التقهقر في الصحافة ودورها في المراقبة والمساءلة خلال السنوات الماضية، بل تعدّاه إلى مهام العديد من خزّانات الفكر والدراسات الاستراتيجية العامة والخاصة، المفترض أن تشخّص الأوضاع القائمة وتقرع جرس الإنذار لمصلحة صنّاع القرار والشعوب.
الجامع بين الصحفيين والباحثين هذه الأيام هو هواجس الخوف والذعر. من لم يرضخ للضغوط الرسمية تم احتواؤه بوسائل ناعمة أو خشنة فتحول إلى بوق دفاع عن سياسات الحكّام. ومن رفض الرضوخ، دفع دفعا للصمت.
يتجلّى هذا القصور مع كل أزمة تعصف بعالمنا العربي؛ آخرها المنازلة بين قطر والسعودية، الإمارات، البحرين ومصر. وكذلك تعاظم أدوار إيران، تركيا وإسرائيل في المنطقة، حيث تضطر الغالبية للتخندق دفاعا عن الرواية الرسمية ومصالح الأنظمة على حساب المصلحة الوطنية والقومية العليا.
هذه المعادلة تكشّفت خلال ملتقى إقليمي جمع في البحر الميت أخيرا خبراء من قرابة 50 مركز دراسات وخزّانات فكر عربية.
يلاحظ المتابعون أن مراكز البحوث والدراسات تحولت مع الزمن إلى مؤسسات علاقات عامّة، هدفها تجميل صورة من يدفع معاشاتها؛ سواء كانت الحكومات، وبخاصة الغنية، وحلفاؤها من رجال المال والأعمال الطامحين للقفز إلى السلطة. وبعض المراكز تستهدف حماية مصالح القائمين عليها أو الأحزاب القديمة/ الجديدة أو مصالح الاجهزة الأمنية.
وها هم "المحللون" و"الباحثون" يتراشقون بالردح والشتائم عبر الفضائيات العربية المنقسمة طولا وعرضا، للدفاع عن الأخطاء ولجم الرأي الآخر. ويشتبك المحللون في معارك موازية صخبها يفوق أحيانا الاشتباكات الدبلوماسية والسياسية.
يظهر هذا التراجع الخطير على المسارين المتداخلين في دول شهدت ردّة على الإصلاحات السياسية غداة ما سمي بـ"الربيع العربي"، مقارنة بدول - مثل تونس- نجحت في تخطّي التجربة صوب التحول الديمقراطي رغم التحديات الاقتصادية-السياسية-الأمنية المرعبة.
فبعدما كسرت (تابوهات) في بلاد التحول بين 2011 و2013، انتكست الأوضاع إلى حقبة ما قبل الربيع العربي في غالبية الدول. واستبدلت شعارات الثورة: "عيش، حريّة وعدالة اجتماعية" بـ"اشكر ربك على الوضع الذي تعيشه، مقارنة بدول الجوار المشتعلة، اغلق فمك واقبل غياب العدالة لأنها كلمة ليست مطلقة وقابلة للتكيف".
في هذا المناخ، غابت القدرة على ممارسة النقد البناء والتفكير بعقلية منفتحة ومستقلة.
صحيح أننا لم نكن نعيش في واحة من الحرية تشجّع التعددية بتلاوينها كافة مدعومة بمؤسسات مستقلة. لكن عديدنا عاش حلما لما يمكن أن تكون عليه الأوضاع مستقبلا، قبل ان تشعل قوى الشد العكسي ومن ورائها "الدولة العميقة" ثورات مضادة.
عديد مراكز كانت رصدت اختلالات عميقة في البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية وتنبأت بانزلاق الأوضاع قبل بدء الربيع العربي. لكن صنّاع القرار لم يكترثوا بتنبؤاتهم، بالقدر الذي تجاهلوا فيه مقالات الرأي وتحقيقات صحفية وثّقت مكامن الخلل قبل أن تنفجر براكين الغضب الشعبي.
اليوم تجد غالبية القائمين على مراكز الدراسات الاستراتيجية نفسها أمام خيارين يتناقضان مع الرسالة التي أنشئت من أجلها؛ حالها حال فرسان الإعلام وبخاصة المؤسسات الصحفية التقليدية. فإما التخندق مع السلطة أو ضدّها في وجه ما سمّي بقوى الشر والظلام والإرهاب. وبذلك تضيع الرواية الثالثة بين رجال السلطة وأوركسترا البروباغاندا الحزبية، العرقية والمذهبية. وتحوّلت معظم مراكز البحوث إلى أبواق صاخبة للدفاع عن سياسات الأنظمة باسم الأكاديميا.
هذا الانفصام في الرأي وحرية التعبير ظهر خلال الملتقى، الذي نظّمه مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية.
مداخلات داخل غرف مغلقة أو دردشات جانبية عكست مواقف متباينة تدل على الخوف والقلق اللذين يسيطران على غالبية الشعوب العربية وبخاصة في دول "الردّة". جدالات أخرى أظهرت حجم سيطرة أموال قطر والإمارات العربية والسعودية على مراكز أبحاث غربية وعربية، تحوّلت إلى أذرع إسناد لسياساتها وتجميل صور حكامها.
في الأحاديث الجانبية برزت ثلاثة اتجاهات: خطاب تحليلي أكثر جرأة وصراحة ونقدا، حياد إيجابي مميت أو دفاع شرس عن مواقف السلطة وتبرير سياساتها والترويج لها.
في لقاء خاص، رفض أحد المشاركين الخوض في تفاصيل مشهد التغيير المتوقع لمسألة الخلافة في بلده من باب الخشية على نفسه ومستقبله العملي. "نستطيع التحدث عن إصلاح التعليم أو الاقتصاد، لكننا نخاف من مس الوضع السياسي المتعفن والمتكلس". مشارك آخر رفض التعليق على المشهد السياسي والاقتصادي المحتقن في بلاده، قمع الحريات، تراجع حقوق الإنسان وتناسل الاختفاء القسري. واكتفى بالتلميح: "إذا داهمك قطار سريع، لا تحاول وقفه وإنما تصعد إليه وتحاول أن تعمل من داخله لتعديل سرعته وإلا سحقك". باحث ثالث ينتمي إلى البلد ذاته حمل خطابا مطابقا لرئيس بلاده.
ويبقى الأمل في أن يستفيق الزعماء العرب من غيبوبتهم القسرية ويقتنعوا بأهمية تشجيع هذه المراكز البحثية على الاستقلالية، حال الصحافة المحترفة، لكي تعمل بطريقة علمية ونقدية عميقة حيال سياسات العصر. ذلك أن هذه المراكز تسهم في تشخيص الأخطاء وتنبّه السلطات التنفيذية إلى المخاطر والأخطار المحدقة بالبلاد وشعوبها.
ففي غياب إعلام فاعل ومؤسسات بحثية مستقلة، يستمر المسؤولون في كسر القوانين دون تنبيه أو مساءلة، وهم يدركون بأنه لا توجد محاسبة في بلدانهم، وأن العالم الخارجي يغض البصر عن تجاوزاتهم لحماية مصالحه، أكبر مثال على هذا الصمت المطبق في المنطقة وفي الغرب حيال هذه التجاوزات المروعة.
صحيح أن وسائل إعلام مستقلة تتعرض للتقريع في العديد من أنحاء العالم، في هذه "الحقبة الجديدة المليئة بالأخبار المزيفة"، بحسب مؤشر منظمة مراسلون بلا حدود 2017. لكن للسنة السادسة على التوالي، ما يزال الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أسوأ منطقة لعمل الصحفيين. حتى تونس - التي تعد نموذج الربيع العربي- تراجعت نقطة على مؤشر (مراسلون بلا حدود) مقارنة بالعام 2016. هنا يُستهدَف الصحفيون من حكوماتهم ومن سياسيين فاسدين ونخب سياسية واقتصادية. ولا يسلم الصحفي حتى من رجل تأبط شرا في الشارع أو الميليشيات المسلحة، التي تنفذ القانون بأيديها.
في الأردن 95 ٪ من الصحفيين يقرّون بممارسة رقابة ذاتية بحسب مركز حماية وحرية الصحفيين. كذلك فإن غالبية مراكز الأبحاث العربية تتعرض للاحتواء الناعم.
اليوم، ينظر إلى الصحافة في معظم أنحاء المنطقة على أنها قوة مزعزعة للاستقرار، ومصدر للخلافات والانقسامات. قد يكون ذلك صحيحا جزئيا بسبب تدهور المعايير المهنية، لذلك تغدو الحاجة ملحة إلى التنظيم الذاتي الجاد والامتثال لأخلاقيات الصحافة الجيدة.
ولكن الوضع يزداد تعقيدا أمام الصحفيين والباحثين.
هل نبقى صامتين؟ لا.
هناك فرصة هائلة للتعاون مع ما تبقى من مراكز التفكير المهنية والمستقلة في المنطقة. وينبغي للحكومات، لا سيما في البلدان الأكثر استقرارا اغتنام الفرصة لإطلاق إصلاحات اجتماعية واقتصادية وسياسية وتعليمية بشكل متدرج. فالأموال التي كانت تستخدم مرارا لشراء ذمم المواطنين لم تعد خيارا، حتى بالنسبة للبلدان الغنّية بالنفط. وبات الظلم الاجتماعي عائقا شاملا أمام جميع أشكال التنمية؛ وفي الواقع، يعد أحد أقوى الدوافع للتطرف في المنطقة