الشريط الإعلامي

لا استثمار دون مستثمرين

آخر تحديث: 2017-09-25، 07:35 am
جواد العناني


الشراكة الحقيقية بين القطاع الخاص والقطاع العام لا تقوم على بناء تحالف بينهما بغية تركيز الثروة والمصالح في قلة على حساب عموم المواطنين. ولكنها تعني أن يتضافر الطرفان من اجل بناء مشروعات يستفيد منها العامة والخاصة.
ولقد ساهم كثير من رجال الأعمال في بناء قاعدة انتاجية في مختلف القطاعات، وهؤلاء كثر، ونستذكر منهم بعض الأسماء التي قد يعرفها الجيل الحالي أو ليست على شاشته. فمنهم عبدالحميد شومان، وابناء شاهين الذين اطلق عليهم لقب أمراء المقاولات، ووهيب الشاعر، ورياض المفلح، وعبدالرحمن أبو حسان، وجودت شعشاعة، ومحمد علي بدير، وصبحي جبري، وعيد الشريف، ومحمد عبدالقادر شاهين، والحاد عمر المحيسن، وآل منكو، وآل عصفور، وتوفيق قطان، وسليمان السكر، وعلاوي الكباريتي، وآل أبو جضم، وفرح تماري وأولاده، وإيلي نقل، وصبري الطباع، وإسحق القواسمي، ورجب خشمان،وخليل التلهوني، وآل الدبابنة، وآل المعشر، وربى ابو جابر، وامين قعوار، وآل الحاج حسن بفضل والدهم صبحي الحاج حسن، وزهير خوري، وحسين أبو الراغب، وآل جردانة، وأمين شقير، ومحمد الفرحان، وأحمد الحوراني، وخليل السالم، وآل حجازي من إربد، وعبدالمجيد حجازي، وهناندة، وعلي الزعبي، وآل البعلبكي، والحمي، وإبراهيم الزبن، وفريد السعد، وطلال أبو غزالة، ومحمد أبو غزالة، وزياد المناصير، وآل الهدهد، وآل خرفان، وآل الطاهر، وميشيل الصايغ، وشوكت شقم، وخير الدين المعاني وغيرهم كثيرون ممن غفل عن ذكرهم.
ولو تمعنا في الأسماء أعلاه لرأينا أن كل واحد فيهم كان متنوع النشاط ولكنه ساهم مساهمة كبيرة في قطاع ما، وترك آثاره وبصمته الواضحة على ملامح ذلك القطاع. فإذا قلت المطاعم يخطر ببالك صبحي جبري، وإذا قلت بنوك يحضرك اسما شومان وزهير خوري، ولو قلت زراعة تذكرت عيد الشريف، ومحمد عبدالقادر شاهين، وإذا قلت فنادق يظهر على شاشتك آل نزال وصوالحة وخليل التلهوني، وإذا قلت تجارة المواد الغذائية يخطر ببالك طالب دروزة وآل عصفور، وزكريا الطاهر، ومحمد الحاج ذيب، وإن تذكرت تجارة السيارات يمر عليك اسم الطوال وعصفور ومنكو والطباع وعبدالفتاح ملحس. وإن قلت جامعات خاصة تتذكر د. أحمد الحوراني، وهلم جرا..
وأما التنوع الثاني فهو أن الأسماء لا تمثل محافظة بعينها، بل جميع المحافظات والاصول والمنابت في الأردن، إذ ساهم كلهم بقدرة واقتدار.
وقد اطلعت على مذكرات بعض هؤلاء القامات، أو على سيرهم الذاتية، ولقد أعجبني كتاب عن سيرة إيليا نقل باللغة الإنجليزية شرح فيه مسيرة حياته وإصراره على إنشاء شركة ضخمة لإنتاج الورق الصحي. ولو قرأه شبابنا الطامح إلى الإنجاز لوجد فيه دروساً وعبراً، ولازداد احتراماً لبلده، وتقديراً لها.
واطلعت على كتاب عن سيرة الحاج محمد علي بدير كتبه الدكتور العرموطي اكتفى فيه برواية السيرة أكثر من تحليلها. ولكن القارئ يتعلم الكثيرعن هذا الرائد الذي أنشأ شركة الكهرباء، وساهم في الفوسفات وفي مصفاة البترول، وهنالك كتب أخرى لكنها قليلة.
وقد قام عبدالله كنعان بوضع مؤلف على شكل سيرة درامية لصبحي جبري مؤسس مطاعم جبري، والذي غيّر مفهوم المطاعم في الأردن، وجعلها صناعة رائجة. وعنوان الكتاب هو «المعلم صبحي جبري: الطريق إلى القمة».
ولقد وجدت في الكتاب إنساناً يبدأ من نقطة الصفر تقريباً، ويبني بعد ذلك مؤسسة لها فروع، وتقدم الطعام عند الحاجة لألاف الضيوف. وصنع الطعام البوزة، وألواح الشيكولاتة، وحتى المنسف (تيك أوي).
لقد كان صبحي جبري يقوم قبل الفجر لكي يصلي، ويشارك بعدها عماله الذين يحضّرون المواد الغذائية لطبخها، ويتأكد من نظافتها، وحسن نوعيتها، وإذا طلب من جبري تقديم عشاء لأعداد كبيرة في منزل أو مكان خاص، فإنه يشرف بنفسه على إعداد الطعام.
وقلت هذا رجل جدّد وطوّر وهو لم يكد ينال من التعليم إلا ما يعينه على كتابة ما يحتاج، وقراءة ما يرد إليه من تقارير وحسابات مالية.
ولقد استخدم السيد عبدالله كنعان لغة راقية، وأدبية، متغزلاً بكل ما هو شامي أصيل. ويطوف بنا من زهر الياسمين، إلى الأكلات السورية الشعبية بأسمائها الطريفة (حرّاق اصبعه) ويعطيك عينات من الجمل الشامية والمصطلحات الدارجة حيث تشعر أنك في حارة الميدان.
هذا التنوع في خلفيات رجال الأعمال هو الذي أغنى المشهد الاقتصادي الاردني وأثراه في بلد ليس فيه الكثير إلا انسانه المبدع. ومن يظن أن البلد قد بني (بالسّاهل)، أو أنه اعتمد على المساعدات فقط، أو أن مناخه لم يكن محفزاً للاستثمار فهو مخطي.
كثير من الرجال الذين ذكرناهم أعلاه كان عنده الكثير الكثير من عمل الخير، والتطوع لبناء المجتمع، وسبقوا نظرية المسؤولية الاجتماعية للشركات.
أعرف أن كل الأسماء الذي ذكرتها لم تتحدث عن امرأة واحدة ساهمت في بناء الاقتصاد. ومع الأسف لم يشمل التاريخ الذي أتذكره أسماء رائدات. ولكن هذا لا ينفي أن بعض النساء قد أظهرن مهارات وإبداعات تجارية عندما سنحت لهن الفرصة، أو ورثن أعمالاً عن أزواجهن أو آبائهن وأكملن المسيرة. وسوف يكون مقال الاثنين القادم عنهن.
ومن الأهمية أن يكتب أصحاب الأعمال سيرهم وبنفس درجة الأهمية أن يفعل السياسيون ذلك، حتى ننمي روح الثقة والريادة لدى جيلنا الصاعد.
في كل قطاع من قطاعات الاردن (العام، والخاص، والمجتمع المدني)، يوجد نساء ورجال رواد.
ولعلني اقترح أن يصار إلى إصدار «انسايكلوبيديا» المبدعين في الاردن، حتى لا يقال أن هذا البلد قد قام على إمكانات رواده بدءاً من آل هاشم وانتهاء بأستاذ مبدع في قرية يعلّم قواعد اللغة العربية لطلابه بالغناء والألعاب المسلية التي تفك رموز ما عرض على الطلاب.
هنالك أبطال جدد كثيرون، وفي كل قطاع. ولكن المشكلة أن الانفتاح والتآلف بين الخاص والعام قد تآكل، وحل محله الشك والريبة.
هؤلاء هم أملنا في الخلاص من نصائح صندوق النقد الدولي وغيره. وعندما نتحدث عن الاستثمار يجب أن نتذكر انه دون مستثمرين لا يوجد استثمار، ودون استثمار لا يوجد نمو، ودون نمو لا يوجد توازن في الموازنة، ولا وظائف، ولا حل لآفة الفقر.
وكما قال ابن رشد الجيش (أو الأمن) بالخزانة، والخزانة بالعمارة (الاستثمار)، والعمارة بالعدل، والعدل أساس الملك. والعدل لا يعني المساواة إلا في الفرص، بل إعطاء كل ذي حق حقه حسب كفاءته وإنجازه.