الشريط الإعلامي

استفتاء كردستان وحرب الإرهاب

آخر تحديث: 2017-09-25، 07:27 am
حسن أبو هنية
 منذ انهيار الجيش العراقي في حزيران 2014 وسيطرة تنظيم «داعش» على الموصل والذي استدعى تشكيل التحالف الدولي لطرد التنظيم، عمل الأكراد على استثمار الأوضاع الاستثنائية بتحقيق حلم الاستقلال من خلال مدخل الحرب على الإرهاب نظرا لدورهم الفاعل كشريك موثوق في الحرب على تنظيم الدولة حيث وسع الأكراد من سيطرتهم العسكرية لتشمل تقريباً جميع الأراضي التي تقع في دائرة اهتمامهم ومشروعهم الاستقلالي. كان واضحا منذ البداية أن الأكراد نظروا إلى مسألة صعود «داعش» كفرصة وتهديد، فقد كانوا على ثقة بتضامن المجتمع الدولي ضد تهديد تنظيم «داعش» وانهاء دولته، كما كانوا يدركون أن «داعش» فرصة يمكن استثمارها في تحقيق استقلال الإقليم، ذلك أن خريطة عراق ما بعد الاحتلال أصبحت قابلة للتغيير، الأمر الذي دفع مسعود بارزاني رئيس إقليم كردستان في مطلع حزيران 2017 في ذروة مواجهة «داعش» إلى الإعلان عن إجراء استفتاء على استقلال الأكراد في 25 ايلول لا يقتصر داخل حدود كردستان، بل سيشمل المناطق المتنازع عليها التي يتواجد فيها أكراد، والتي تقع حالياً تحت سيطرة الميليشيات الكردية، والتي من المنتظر أن تصبح دولة كردية مستقلة. إن الخطوات نحو الوصول إلى تقرير المصير بشكل كامل ستكون صعبة وبطيئة، لكن المؤكد أنها ستعمل على تأجيج الانقسامات العرقية في بعض المناطق، وسوف تفتح المجال أمام تنظيم «داعش»، ومن الممكن أن تضع الأحزاب السياسية الراسخة في حكومة إقليم كردستان في مواجهة بعضها البعض، فإذا انضمت مدينة كركوك متعددة الأعراق إلى حكومة إقليم كردستان من خلال أغلبية ضئيلة من الناخبين، قد تكون النتيجة حالة من عدم الاستقرار. على الرغم من الادعاء الدولي بتفهم الحقوق التاريخية المشروعة للأكراد في تقرير مصيرهم، لكن ذلك لم يغير من واقع رفض العالم لقيام دولة كردية مستقلة وفي أحسن الأحوال القول بأن الوقت غير مناسب لاستفتاء الاستقلال، وتقوم الحجج الدولية والاقليمية وحتى المحلية العراقية الرافضة للمشروع الاستقلالي الكردي على أن خطوة كردستان سوف تهدد الاستقرار وتجلب الفوضى من جهة وتعمل على تعطيل جهود مكافحة والحرب على الإرهاب. في حقيقة الأمر إن خطوة الاستفتاء على استقلال كردستان سوف تعزز الانقسامات العرقية الإثنية والدينية المذهبية في العراق، وهي تشير إلى أن صيغة عراق ما بعد الاحتلال وصلت إلى طريق مسدود بتحول العراق إلى دولة مليشيات طائفية شيعية كما يؤكد الأكراد وبرزاني دوما، وكما يؤكد العرب السنة باستمرار، فإذا تجاوزنا قدرات تنظيم «داعش» العسكرية الذاتية التي تطورت على مدى سنوات ومراكمة الخبرات، فإن قوة التنظيم الحقيقية ترتكز إلى أسباب موضوعية. وفي مقدمتها الشروط والظروف السياسية لعراق ما بعد الاحتلال، التي تتمثل بـ»الأزمة السنية»، حيث جرى إقصاء وتهميش السنة من العملية السياسية مع بروز «المسألة الطائفية»، وهيمنة الحكومة الدكتاتورية بمكوناتها الشيعية، وما حدث في معارك المدن السنية برز مرة أخرى في معركة الموصل حيث الاحتفالات المذهبية الشيعية والرايات الطائفية والأهازيج الكربلائية. إن الأزمة السنية توشك على الانفجار، نظرا لغياب تصورات سياسية واضحة حول إدارة الموصل والمدن السنية، وعدم وجود خطط عملية وموارد ومخصصات مالية للتعامل مع مسألة إعادة الإعمار وعودة النازحين، وعلى الأرجح لن تستطيع الحكومة العراقية الوفاء بوعودها للمحافظات السنيّة المدمرة وسوف تتفاقم أزمة الثقة الحادة بين المكونات السنية والشيعية، فالمعركة الحقيقية تبدأ مع انتهاء العمليات العسكرية، حيث تبرز مرة أخرى الجدالات والمطالبات دون حلول جذرية لعراق منقسم لا يزال بعيدا عن الحداثة السياسية وغارقا في الانقسامات الطائفية والإثنية، وخاضع للهيمنة الإقليمية والدولية. في هذا السياق فإن خطوات كردستان نحو الاستقلال تجعل من العراق دولة شيعية بامتياز، وفي ظل غياب أي عملية سياسية حقيقية لادماج العرب السنة، فإن عودة تنظيم الدولة لن تطول، حيث لن يجد التنظيم صعوبة في بناء تحالف سني مع قوى وفعاليات وحركات عراقية على أسس هوياتية دينية، والظهور كدرع فعال في حماية وصيانة الهوية السنيّة الممتهنة بفعل سياسات إيران الطائفية، ورعايتها
 
لسادة العراق الشيعة الجدد من المالكي إلى العبادي. خلاصة القول إن الاستفتاء الشعبي يمهد الطريق نحو استقلال كردستان نظريا، لكن الاستقلال الفعلي يتطلب جملة من الشروط الذاتية والموضوعية لا تتوفر حاليا، في ظل معارضة دولية وإقليمية ومحلية واسعة، ولعل الخطر الأكبر في الإصرار على الاستفتاء هو بروز اختلال صيغة عراق ما بعد الاحتلال والتسليم بهويتها العراق الشيعية، الأمر الذي سيعمل على انفجار الهوية السنية وصعود «داعش» أخرى، وهكذا تختلط حروب الإرهاب بحروب الهوية وسط غياب أي مشروع ورؤية سياسية مغايرة للهويات ليس في العراق فحسب بل في مناطق عديدة توشك على الانفجار تحت وقع حرب الإرهاب الذي بات في مرحلة «داعش» يرتبط بموضوعة الهوية