الشريط الإعلامي

جريمة إلكترونية

آخر تحديث: 2017-09-20، 08:58 am
عبدالهادي راجي المجالي
 أبشع وصف سمعته في حياتي , هو (الجرائم الإلكترونية) ..فالجريمة لا تقسم ولا تصنف هي جريمة , سواء ارتكبت على الفيس بوك أو غير ذلك ... في الوصف الجنائي للجريمة المرتبطة بالإيذاء , فإن أثرها يقع على شخص واحد ولكن الجريمة الإلكترونية اثرها يقع على مجتمع كامل وليس فردا واحدا ...ومن هنا تكمن خطورتها ... وتستغرب في شكل تعاطي الدولة معها . ثمة أمر مهم لابد من توضيحه : أخطر أشكال السيادة وأهمها هي سيادة الدولة على الوجدان ,فبالإضافة لسيادتها على فضائها والأرض هناك أيضا سيادة على الوجدان وهي مرتبطة بحفظ الهيبة , ونمط الحياة وسريان القانون....لهذا لم يلتفت المشرع في لحظة من اللحظات إلى أن (الفيس بوك) ليس نموذج نشر الكتروني ,بقدر ما هو امتهان لسيادة الدولة على الوجدان ونمط الحياة . الفيس بوك يعطي مثلا فرصة (للبنشرجي) مع احترامنا لهذه المهنة النبيلة بأن يصبح صحفيا ,ويكتب في الشأن العام ...ويرجم كل الناس , والفيس بوك يعطي فرصة لكل من يختبيء خلف اسم مستعار بأن يمارس الرذيلة , ويستخدم كل لفظ خادش للحياء العام ...وهو يعطي أيضا رجولة لمن يفتقدها , زمان مثلا كان الحزبي يعتقل على موقف سياسي في وضح النهار على خطبة على مؤتمر سري أو منشور ...وكان الإعتقال موقفا يدفعه الشخص , بناء على مبدأ أوانتماء حزبي ...الان الرجولة صارت الإختباء خلف شاشة الفيس بوك , وإنشاء صفحة وهمية ..ورجم كل القيم . الفيس بوك لدينا أشعل فتيل الإقليمية , ودخل في معتركات الطائفية ... وقسم الناس لمن هم من شرق النهر ولمن هم من غربي النهر , وهو انتج فتنة وطنية ...لأنه وسيلة سهلة مباحة ... لدرجة أن الناس عبره تصبح(صيصانا) .. والولاء يصبح تهمة بالمقابل رجم كل القيم الحقيقية في الوطن يصبح فضيلة ... عبر الفيس بوك أيضا تنشأ صراعات غريبة عجيبة , نتذكر عبرها أيلول ...ونعيد نشر صور اعدام صدام حسين , ونضع أغنية هندية ...حتى الأطفال تنتهك حرمة البراءة فيهم , عبر وضعهم في (طنجرة) والتقاط صورة لهم , وحتى الكلاب صار لها سعر على الفيس بوك وتباع وتشترى ..وتفاخر صبية في أول العمر بقطتها أو كلبها ..وتنشر الصور . حتى الأموات تنتهك حرمات موتهم ,حين تنشر صور القبور والشواهد المكتوب عليها أسماؤهم , ويتم ممارسة الحزن الإلكتروني بأغبى صوره ... نحن الدولة الوحيدة في العالم التي توضع صور القبور على صفحات الناس ... الدولة بالتحديد المؤسسات الأمنية , معنية في هذه الفترة بتحويل القانون من جريمة فردية إلى انتهاك للسيادة على الوجدان , لأن من يكتب عن أيلول هو لايتسبب بالضرر لمواطن واحد بل ينتهك وجدان شعب كامل ....والدولة أيضا معنية بلجم هذا الصراع عبر الشاشات , معنية بعدم تسخيف الدين .. بعدم تسخيف المؤسسات بعدم انتهاك الحرمات ... وأن أخطر انتهاك للسيادة هو المرتبط بالوجدان الشعبي ..فما يحدث هو تحويل مبرمج للبلد من ساحة مستقرة , إلى ساحة متوترة ..