الشريط الإعلامي

مصادر أخرى للتوتر والعنف في المجتمع

آخر تحديث: 2017-09-18، 09:21 am
حسني عايش


"الكل يشكو دهره ليت شعري .. هذه الدنيا لمن؟
المشتري يشكو من ارتفاع الأسعار، والبائع يشكو من قلة البيع، والعامل يشكو أن الأجر لا يكفي، والموظف يشكو مثله، وهكذا. يبدو لك أن الناس مولِعّون.
لا يعود كثير من الشكوى إلى الأحداث الدامية من حولنا، ولا إلى تدهور الأوضاع السياسية في مفرد ومجمل البلدان العربية، فالذين يشكون من ذلك قلة. يعود كثير من الشكوى وبالتالي التوتر النفسي والعنف في المجتمع إلى الهوة بين ما يرغب كثير من الناس فيه وما يقدرون عليه. أي أن العامل الرئيس في التوتر والعنف هو هجمة الاستهلاك الشرسة على الناس التي تتحداهم طيلة الوقت بسلع وخدمات جديدة يسيل لعابهم عليها، لكنهم لا يستطيعون ملاحقتها وامتلاكها.
وبما أن ضغوط الاستهلاك شديدة ودائمة وما باليد لا يكفي، يلجأ كثير من الناس إلى الاستدانة فيزداد حالهم سوءاً. وتقوم البنوك بإقراض الناس لشراء سلع وخدمات شتى بدءاً من السيارة وانتهاءً بالسياحة. وهكذا يقع الناس في حلقة مفرغة، فيبلغ التوتر عندهم مداه وقابليتهم للعنف شديدة، لدرجة أن الاختلاف على اصطفاف سيارة قد يوقع قتلى وجرحى. كما قد يدفع بعض الناس إلى الانحراف والجريمة سعياً وراء تحقيق رغباتهم المتجاوزة لحاجاتهم وإمكانياتهم.
إن كثيراً من وقت الأسرة أو الناس محتل بالركض وراء الاستهلاك، فالأسرة في أزمة لأن الجار غيّر سيارته إلى سيارة دفع رباعي، أو إلى هايبرد، بينما سيارتها دقة قديمة. ولهذا تضغط على رب الأسرة لمحاكاة الجار والتفوق عليه. والهاتف الخلوي الذي لدى أفرادها يتم تجاوزه بآخر جديد، وهكذا.
لا تكتفي الأسرة أو مجمل الناس بمتابعة الجديد من السلع والخدمات التي تتحداهم، بل تصر على اختيار الماركة التي تميزهم وترفعهم إلى مستواها الاجتماعي، فتشدد الأزمة ويزداد التوتر ويصبح الغضب جاهزاً للانفجار بأي نكشة.
وبتصاعد الحمى الاستهلاكية بالدعاية والإعلان الشديدين يتصاعد التوتر الذي قد ينفجر لأسباب أو مماحكات تافهة. وقد يتطور إلى عنف وربما إلى حرب أهلية.
أما الجانب الخفي من هذا التوتر أو الحمّى فهو "كثرة القرارات اليومية التي يجب على المحموم بالاستهلاك أن يتخذها والتي قد تزيد على مائتين، بدءاً من اليقظة في الصباح وانتهاء بالنوم. وكثرة القرارات تستنفد الطاقة، وترهق متخذها، لكنها تفسر لماذا يغضب ناس عقلانيون على الزوجة، أو الأبناء والبنات، أو الزملاء أو الناس. ربما لأن فقدان الإنسان لطاقته يجعله غير قادر على مقاومة التوتر والغضب والعنف. ومن جهة أخرى يجعله "فريسة أسهل للاستهلاك فلا يستطيع مقاومة عرض البائع أو السوق".
تذكر أنك وإن كنت عقلانياً أي صاحب عقل كبير فإنك لا تستطيع اتخاذ قرار وراء آخر على مدر الساعة/ اليوم دون أن تدفع ثمناً بيولوجياً كما يقول العلماء. "إن الإرهاق النفسي الذي تعاني منه بحمى استهلاك أثقل عليك من الإرهاق الجسدي، مع أنك قد لا تعاني أو لا تشعر بأنك مرهق أو تعبان نفسيا"، وأن طاقتك العقلية انخفضت، وربما استُهلِكَت وتلاشت، وأنها بمجرد أن تنخفض تصبح عقلياً غير قادر على التعامل الناعم مع الغير.
"الإرهاق القراري يجعل المرء هشاً أمام المتسوقين، أي قابلاً للخضوع للإغراء". وكلما كان السوق يعج بالأصناف ازدادت القرارات. وقد يحدث العكس، أي قد تتجنب اتخاذ القرار فتعود من السوق خائباً أو تتخذ قراراً سيئاً تندم عليه" عندما تجد أن السلعة أو الخدمة التي اشتريت أرخص بكثير في سوق أو في مكان آخر.
تذكر أخيراً أن كثيراً من قراراتك اليومية تافهة وسطحية، لأنها –لكثرتها- تسرق منك أفكارك العميقة أو قوتك العقلية. نصيحة لك بشرط أن تضعها كالحلق في أذنك: "لست غنياً لكثرة ما أملك بل لقلة ما أطلب" وإلا فلن تتمتع بالسعادة أبداً.