الشريط الإعلامي

عن الحكومة الراحلة

آخر تحديث: 2020-10-01، 10:00 am
جميل النمري
أخبار البلد-
 
 كان لديه جاذبية المثقف التكنوقراطي وصفات الصدق والاستقامة ونظافة اليد وعفة اللسان لكن هذه كلها لم تسعفه في ميدان السلطة الحكومية. وقد أبدى الرأي العام تعاطفا معه ورغبة في اسناده وظهر على وسائل التواصل شعار « كل الاردن عشيرتك» لكن أول صدمة كانت في التشكيل الحكومي وعودة نصف الحكومة السابقة وتعزز الانطباع السلبي مع التعديلات المتوالية على الحكومة التي كانت تعني ان الرئيس وقع في سوء الاختيار المرة تلو المرة فليس بالقليل ان يتداول على الحكومة 52 وزيرا في اربع تعديلات وزارية.
تكثر السكاكين كالعادة في ظهر كل حكومة مغادرة وهذا ليس حسنا ابدا والتقييم الصحيح يترك لمراكز رصد تعمل جردة حساب موضوعية للحكومة وقد قام مركز راصد بشيء من هذا لكن التقييم كان كميا رقميا لا يكفي للحصول على فكرة حقيقية عن انجازات الحكومة واخفاقاتها. وما نريده هنا من الحديث عن الحكومة الراحلة فقط استخلاص الدروس للحكومة القادمة.
عندما تم تكليف الرزاز بالحكومة بدا خيارا صحيحا منسجما مع الحاجة لرئيس من «خارج العلبة» كما يقال، شخصية مستقلة نزيهة بعيدا عن مراكز القوى التقليدية والمصالح ودوائر النفوذ لكن هذا الخيار التكنوقراطي كان يتوجب تدعيمه وحمايته بدائرة من الاقطاب تحمل العمق السياسي والاجتماعي خصوصا وأن شبهة «الليبرالية» و «المدنية» والاغتراب لاحقت الرئيس من البداية وهذا لم يحصل وكان التفاوت كبيرا في نوعية الوزراء لكن الضعيف أخذ من رصيد القوي وسقط التعديل في نفس الخطأ كل مرة، وبقي الرئيس عرضة لكل انواع الضغوط والهجمات من جهات متناقضة. كان متهما بتمثيل البنك الدولي والأجنده الغربية أو المصالح المالية والبنكية المنفصلة عن الفئات الشعبية ومن جهة أخرى وكان متهما بالهشاشة والضعف والعجز عن ممارسة الولاية العامة للحكومة. ولم تكن تنقص الحكومة الرؤية والأفكار والبرامج التي كان يطرحها الرئيس بكثرة لكن تقديم الأفكار الكبيرة كان ينتهي الى أعمال صغيرة ظل مشروع «النهضة» شعارا لم يرتبط بأي مشاريع أو تحولات كبرى. ولم يسعف الحكومة كثيرا محاولة اضفاء الشفافية على عملها وفتح منصات التواصل وتقديم سنوي وفصلي لجدول الالتزامات و كشف حساب دوري للانجازات. وبالارقام الصماء كانت النتيجة الأخيرة ارتفاع المديونية اربعة مليارات اضافية وارتفاع نسب البطالة واستمرار الركود حتى جاءت كورونا لتضع الحكومة والبلد في وضع استثنائي حوّل كل الجهود والموارد لمواجه الوباء بما تركه ذلك من آثار قاسية على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.
فترة كورونا اخذت الربع الأخير من عمر الحكومة وهي في الواقع أعطتها هدنة مع الرأي العام وسمحت لها باتخاذ القرارات القوية والحصول على الدعم والاسناد من كل المؤسسات والموارد بل تكاد الفترة الأولى من كورونا وحتى عودة الموجة الثانية فترة ذهبية من عمر الحكومة وظهر الوزراء المعنيون بصورة طيبة وقوية لكن اختراق الوباء للمرة الثانية ذهب بالمنجزات مع الشكوك القوية بإدارة الحكومة للآثار القاسية لفترة الغلق.
تجربة الحكومة الماضية تلقي عبئا كبيرا على مشروع الحكومة الجديدة وهي تواجه استحقاقات اقسى من تلك التي واجهتها حكومة الرزاز سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. مع عودة الوباء ولا تحتاج الحكومة الجديدة لنحت شعارات وبرامج واستراتيجيات بل خططا عملية وقرارات جريئة والخطوة الأولى للنجاح هي النجاح في تشكيل فريق قوي ومقنع يضطلع بالمهمات.