الشريط الإعلامي

«الإنترنت» لا توفّر تعليماً متكاملاً

آخر تحديث: 2020-09-28، 09:56 am
فيرجينيا بوستريل
أخبار البلد-
 
خلال العامين ونصف العام الماضيين التي قضيتها في البحث عن كتابي الذي سوف يصدر قريباً، كثيراً ما ألمّ بي الذهول من وفرة المواد والموارد المتاحة على شبكة الإنترنت. كان بإمكاني تأليف كتابي «نسيج الحضارة» من دون الاستعانة بهذه الموارد الإلكترونية، غير أن الأمر كان سوف يستغرق وقتاً طويلاً للغاية، وكانت جملة من الأسئلة الواقعية سوف تبقى معلَّقة من دون إجابة شافية. أما في الآونة الراهنة، يمكن لأحدنا التأكد من الصياغة الدقيقة لقانون لندن الصادر في عام 1678 –الذي يُعنى بتنظيم تجارة القماش– من دون أن تفكر في مغادرة منزلك على الإطلاق.
بيد أن جائحة فيروس «كورونا المستجد» تقدم تذكيراً بالغ الجدية والصرامة بشأن مدى محدودية مميزات وثروات الإنترنت في الأوقات الحالية.
في مواجهة تهديدات الفيروس المستجد الفتاك، نحن محظوظون للغاية لتوافر بدائل التواصل والتفاعل الشخصي. ولكن في عالمنا اليوم المفعم بكل ما هو افتراضي في شتى جوانب الحياة، فإنَّ كمّاً هائلاً من المعارف لا يزال حبيس أرفف المكتبات المغلقة والعقول والأفهام المتباعدة اجتماعياً وربما جغرافياً. ولم أكن لأتمكن من تأليف كتابي على الإطلاق في ظل الظروف العسيرة الراهنة، إذ إن المعلومات التي أحتاج إليها لا يمكن الوصول إليها بكل بساطة.
وبالنظر إلى التعليم العالي، على سبيل المثال، حتى مع عدم الالتفات إلى التعلم الذي يتخذ مكانه في الاستوديوهات أو المختبرات العلمية، والمحادثات المتداولة حول مائدة الطعام، أو جلسات التسامر المسائية المسلية، فإن هناك مشكلة جادة وخطيرة تواجه التعليم الافتراضي: يوجد قدر كبير للغاية من المعارف حول العالم لم يبرح مكانه في الكتب والمواد العلمية المحمية بقوانين حقوق الطبع والنشر، وهي ليست متوفرة بالصيغ الإلكترونية التي يمكن الوصول إليها عبر شبكة الإنترنت حتى مع توافر الميزانيات غير المحدودة لإصدار أوامر الشراء. وتزداد حدة تلك المشكلة بصورة خاصة لما يتعلق بالكتب العلمية، والتي تميل مطبوعاتها إلى النفاد السريع ولا يجري نشرها في أغلب الأحيان في نسخ إلكترونية مرافقة. وعلى العكس تماماً مما يفترضه العديد من طلاب الجامعات اليوم، ليست كل مصادر المعلومات ذات الأهمية متاحة عبر شبكة الإنترنت. ومن بين أهم الأسباب التي تَحول بينك وبين إنشاء جامعة بحثية كاملة على شبكة الإنترنت، أنه لا يمكنك بأي حال الحصول على نسخ طبق الأصل من المكتبات والمجموعات العلمية التي استغرق جمعها وبناؤها عقوداً، بل وربما قروناً كاملة من عمر الزمان.
أما بالنسبة إلى الباحثين من أمثالي، فإن المكتبة المغلقة في الآونة الراهنة تعد من كبرى المشكلات التي أواجهها. وبالنسبة إلى معظم الناس، فإن هذا مجرد تشبيه مجازي ليس أكثر، إذ إنهم ليسوا على الدوام في حاجة أكيدة إلى مراجعة العديد من الكتب، بل إنهم في حاجة أخرى إلى التواصل والتفاعل بعضهم مع بعض.
 
وفي هذه الحالة، فإن المعرض التجاري الصناعي أو المؤتمر الأكاديمي يقوم مقام مكتبة البحث الثرية التي تتناثر فيها أكوام من الكتب والمراجع المتاحة. ولكي تحقق أقصى استفادة ممكنة من وراء ذلك، لا بد من وضع الخطط المحددة بعناية فائقة، من متابعة العروض التوضيحية التي تحتاج إليها، أو حضور المحاضرات التي ترغب في الاستماع إليها، أو التواصل مع الشخصيات التي تود التحدث معها، ولكنك لا بد أن تكون متأهباً ومنتبهاً للمفاجآت أو الاتصالات غير المتوقعة التي ربما تنشأ هناك. إذ ربما تكون مقابلة وليدة للصدفة البحتة أو محادثة غير رسمية مع شخصية ذات حيثية هي بمثابة الشرارة التي تشعل وهج الأفكار الجديدة في مخيلتك. ذلك، جنباً إلى جنب مع البرنامج الرسمي المعروف، يمكنك الرجوع إلى المنزل بقدر معتبر من الزخم الثقافي والذهني الذي تقتات عليه لفترة جيدة من الزمن. وربما تكتشف بعض الفرص السانحة في مجالات لم تكن تخطر على بالك أو تتوقعها أبداً عند صياغة الخطط الخاصة بك.
في أثناء مزاولة البحث في كتابي، تمكنت من حضور الكثير من المؤتمرات. وإنها من السبل الجيدة للوقوف على أحدث الأبحاث العلمية والأكاديمية في مجال من المجالات. وحتى المؤتمرات والفعاليات البعيدة يمكن تقلل من أعباء السفر. لقد تعلمت من مؤتمر تحت عنوان «عالم الأنوال»، ذلك التي عُقد في متحف الحرير الوطني في مدينة هانغتشو الصينية مؤخراً، الكثير من المعلومات عن أنوال الرسم الصينية، فضلاً عن العديد من التقنيات الكامنة وراء قماش «كينتي» من غانا، والديباج من لاوي، وكلاهما انتهى به الأمر بين طيات كتابي.
كان أحد أبرز إسهامات تلك الفعالية المهمة غير متضمنة في برنامج المؤتمر. ولقد حدث ذلك عند لقائي سيدة من المتحف البريطاني وتوجهت إليها بسؤالي: «ماذا تدرسين؟» في الصبغة الأكاديمية من حديث موجز جمع بيننا. ومن واقع خشيتها أن تصيبني بالسأم من طول حديثها، اعترفت السيدة بأن عملها لا يمتّ بِصلة إطلاقاً لعالم الأنوال؛ إذ إنها مسؤولة عن تاريخ العملات في منطقة شرق آسيا، ولقد لفت انتباهها ذلك المؤتمر في الصين، لأنها مهتمة بدراسة استخدام القماش كعملة في طريق الحرير القديم. ولقد حازت تلك الفكرة جُلَّ انتباهي واهتمامي. إذ تعد المؤسسات الاقتصادية من بين «التقنيات الاجتماعية» التي احتلت فصلاً كاملاً بين دفتَي كتابي الجديد، ولقد لعبت وظيفة السيدة هيلين وانغ –محدثتي اللبقة من المتحف البريطاني– دوراً بارزاً في ذلك الطرح الأكاديمي. وإن لم أكن تساهلت مع نفسي وحضرت ذلك المؤتمر عبر تطبيق «زووم» للتراسل المرئي ما كنت حظيت بمقابلة السيدة وانغ أو كانت بيننا تلك المناقشة المهمة على الإطلاق.
ولم يكن هذا هو المثال الوحيد الذي أذكره. ففي فعالية مشابهة أُجريت في البيرو، تقابلت مع فنان للمنسوجات من ولاية نيويورك ذلك الذي يستلهم أفكار أعماله الفنية من لوحات الدوائر الكهربائية، وأنظمة الذاكرة الأساسية التي كانت مستخدمة في أجهزة الحواسيب القديمة. وفي مناسبة أخرى، تعمدت تمديد فترة إقامتي في مركز لأبحاث المنسوجات في مدينة كوبنهاغن من أجل حضور ورشة عمل تجريبية في علم الآثار كي ينتهي بي المطاف إلى التعرف على السجلات المسمارية للتجارة عبر المسافات الطويلة، والتي يرجع عمرها إلى 4 آلاف عام مضت.
ومن بين المحاضرات التي دفعتني في المقام الأول إلى البحث عن واستكشاف تاريخ النسيج حول العالم، كان عرضاً تقديمياً يسلط الأضواء على الكميات الهائلة من الخشب البرازيلي، وأصباغ اللون الأحمر التي كانت تأتي من المستعمرات الإسبانية القديمة في الأميركيتين. ولقد كان من حُسن حظي أنني حضرت هذه المحاضرة، حيث إنني حضرت محاضرة أخرى غير ذات صلة تماماً بالأمر في جامعة كاليفورنيا فرع لوس أنجليس. ولم تسنح لي الفرصة لكي أحصل على نسخة للمحاضرة نفسها عبر شبكة الإنترنت.
لا بد، من أجل التقدم والاستمرار، أن تحظى المعارف بنصيبها من المشاركة وإعادة جمعها. كما ينبغي للفكرة الواحدة أن تثير أذهان الآخرين. ويمكن لذلك أن يحدث عبر المحاضرات التي تُذاع عبر تطبيق «زووم»، ولكن من المرجح لتلك الإثارة الذهنية أن تحدث عن طريق المحادثات المباشرة واسعة النطاق في أثناء تناول الطعام، أو من خلال الحضور في مكان يشجع على الالتقاء مع الآخرين من مختلف الخلفيات، أو مشاهدة مختلف المنتجات، أو التعرض للأفكار المختلفة أو الجديدة. وعلى الرغم من قيمتها المجتمعية الراهنة، فإن التواصلات الافتراضية تستلزم في كثير من الأحيان أن نكون على علم مسبق بما نريد معرفته أو نحاول اكتشافه، إذ إنها تتطلب التخطيط والتعبير المسبق. بيد أن الابتكار في حاجة ماسة إلى العفوية، والتلقائية، والمصادفة.
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»