الكل يعلم مدى أهمية امتحان التوجيهي في مجتمعنا الأردني، فهالة التوجيهي ومتابعة الناس له بتربص وكثافة، تجعل من أي خطأ يرتكب بحق أي مرحلة من مراحل إدارة امتحان الثانوية العامة محل مساءلة وإشهار، وهو ما حدث فعلا في عامنا الدراسي الحالي، فبعد ساعة واحدة من إعلان وزارة التربية والتعليم لنتائج امتحان التوجيهي للدورة الشتوية، أُعلن مرة أخرى عن سحبها وتم الاعتراف بوجود أخطاء أصابت النتائج في نسختها المعلنة، وهذا الإرباك الفضيحة لم يكن مسبوقا في تاريخ الامتحان منذ بداياته البعيدة، فالطلبة وذووهم أصابهم الذهول، ونتائج الامتحان التي كانت في السابق عصية على الخطأ، باتت بعد ما جرى معرضة للمراجعة والتشكيك الموضوعي.
اهتمام رئيس الوزراء بما جرى، وسرعة استجابته لذلك، تؤكد أن قضية نتائج التوجيهي أحدثت دوارا سريعا ومزعجا في رأس الحكومة، وأصابتها بالإحراج واللوثة، فحكومة سمير الرفاعي ومنذ توليها المسؤولية العامة شغلت نفسها بإدارة زخم غير عادي من التعيينات والإقالات في مواقع المسؤولية الحكومية كافة، وحين سئل الرفاعي عن رؤيته التفسيرية لهذا الحراك البيروقراطي، أجاب أن الأمر يتعلق بتجديد الدماء في العروق الإدارية لتقدم المزيد، أضف لذلك ما قام به الرفاعي من زيارات واجتماعات مع مسؤولي كافة الوزارات (من بينهم وزارة التربية) لحثهم على العمل الجاد الخالي من الفساد والخطأ، في سياق هذا الفهم الحكومي القاصر والمقصود لعملية الإصلاح جاءت قضية التوجيهي، لتطرح تساؤلات عميقة عن جدوى هذه التغييرات الشطرنجية، وعن مدى قدرتها الذاتية على أن تكون بديلا لعملية إصلاح شاملة تطال كل مرافق الأداء العام الأردني.
وإذا ما عدنا لقضية التوجيهي وتركنا حلم الإصلاح وطوباويته وراءنا، نجد أن هذه القضية تستحق وتستدعي الدخول في عملية محاسبة عامة عن هذا الخطأ، ويجب أن تطال المساءلة وفق وجهة نظري، وزير التربية والتعليم بصفته المسؤول الأول في الوزارة التي أثارت لغطا عاما، وصنعت إرباكا شاملا، وصلت حدوده للتشكيك في النتاج الأخير لمخاضنا التربوي المتمثل بعام التوجيهي، فالقضية عامة، ولا يكفي معها تحميل المسؤولية لموظف أهمل أو أخطأ، فسياسات وزارة التربية المتعلقة بإدارة امتحان التوجيهي الهام، هي من صنع مسؤولين يقودهم وزير التربية، وحدوث فضيحة بحجم ما حصل يؤكد على وجود خلل في السياسات أو في الرقابة عليها، فكبر حجم التعاطي العام مع المشكلة يلزم الحكومة تقديم مسؤول كبير يليق بذاك الحجم، وفي حالتنا هذه لا يمكن تخيل الأمر دون رحيل السيد وزير التربية عن موقعه مستقيلا ومتحملا لخطأ وزارته الفادح، ولعل هكذا إجراء يطال رأسا كبيرا سيكون عونا لرئيس الوزراء على تجنب حوادث مشابهة، فالوزراء بعد ذلك سيدققون ويتابعون بحرص وخشية على رؤوسهم العارية التي لا يحميها إلا جودة الأداء، ونظافة اليد.
يبقى أن نقول إننا تواقون للشفافية والمساءلة والمحاسبة، وما يجري يوميا من أخطاء ومفاسد أمام أعيننا أصبح وللأسف مقبولا ومسكوتا عنه ضمنا، وقضية التوجيهي ليست أكبرها، ولكن تعاطينا معها يشكل تعبيرا عن رغبة واضحة بإرساء مفاهيم العاصم الوطني والأخلاقي