جواد البشيتي
تجربة التوجيهية, وعندنا على وجه الخصوص, أنتجت وراكمت وهيأت واستجمعت من الأسباب ما يكفي لإنهاء وإلغاء هذا الطقس التعليمي التربوي الاجتماعي, فإصلاح النظام التعليمي التربوي يمكن ويجب أن يبدأ بجعل التوجيهية جزءا من ماضيه.
ما أكثر التربويين عندنا حين تعدهم; ولكنهم في النائبات, وفي نائبة التوجيهية على وجه الخصوص, قليل, فالحاجة إلى تثوير نظامنا التعليمي والتربوي تشتد وتعظم, ونراها واضحة جلية مع مقدم تسونامي التوجيهية, وفي أثناء, وبعد, وقوعه; ومع ذلك, لا نرى لها أثرا, وكأن الحاجة إلى إصلاح تربوي, مع اشتدادها وتعاظمها, ليست بسبب كاف لإنتاج مصلحين تربويين.
إن حياة جديدة تكتب لمن ينجو من امتحان التوجيهية; وإنه يكفي أن ينتاب الطلاب وذويهم ما ينتابهم من هلع وخوف وقلق واضطراب,.. وأن يروا في التوجيهية ما يكاد يعدل يوم الحساب, لجهة خشيتهم منه, حتى يتأكد أن في التوجيهية خللا وفسادا تربويين عظيمين; ولا بد, بالتالي, من الإصلاح, وإعادة الأمور إلى نصابها.
التوجيهية, بما تمثله وتعنيه عندنا, من طقس وثقافة وأهمية مصيرية, حان لها أن تنتهي, وأن ينتهي معها نظام الامتحان المعمول به, والذي لم يتحسن كثيرا من حيث الجوهر والأساس, ومن حيث فلسفته ومنطقه, ف¯ "السؤال", الذي من خلال إجابته يمتحن الطالب لم يتحسن, ولم يتطور, بما يسمح له بأن يكون أداة صالحة لكشف واختبار وقياس المستوى المعرفي والعلمي والفكري الحقيقي للطالب الممتحَن.
من الوجهة التعليمية, يذهب الطالب إلى قاعة الامتحان برأس تكاد تنفجر من كثرة ما اضطر إلى إدخاله فيها من معرفة, قسمها الأكبر يضر ولا ينفع; ولا بد من تركها حيث هي, أي في بطون الكتب, إذا ما أريد لملكات العقل الأكثر أهمية أن تظهر إلى الوجود في أجوبة الطالب, وطريقته في التفكير, فالعقل, في القرن الحادي والعشرين, يحتاج إلى قليل, وقليل جدا, من الذاكرة, وإلى كثير من الخيال; أما نظامنا التعليمي, الذي في امتحان التوجيهية تتركز معانيه, وتتضح خواصه, فما زال منحازا إلى الذاكرة ضد الخيال, وإلى الحفظ ضد الفهم.
ومن الوجهة التربوية, يذهب الطالب إلى قاعة الامتحان ولم يبقَ لديه إلا نزر من القوى النفسية التي يحتاج إلى كثير منها حتى يتمكن من أن يُظهر في إجاباته ثمار جهده الدراسي الجهيد, فبنفس أمَّارة بكل ما من شأنه الحيلولة بينه وبين إظهار ما يملك من قدرات علمية يذهب إلى الامتحان, الذي فيه من الإرهاب ما يجعله ينظر إلى خطأه في الإجابة كما ينظر إلى خطأه في تفكيك قنبلة, فخطأه الأول هو خطأه الأخير!
التوجيهية, في مناخها الإرهابي, والذي هو في حد ذاته خير دليل على فشل تربوي كبير, إنما تشبه محكمة يحاكم فيها الطالب محاكمة غير عادلة; وهي ليست بالأداة التي تسمح باختبار القدرات الفعلية والحقيقية للطالب.. وليست ب¯ "السؤال" الذي يملك من الخواص وجودة الصنع ما يسمح له بأن يكون مسبارا نعرف به الغور العلمي للطالب, فالهيئة التي تتوفر على صناعة الأسئلة غير مستوفية للشروط التي لا بد لها من استيفائها حتى نرى العلم والفن والذكاء في السؤال.
والطالب يكفي أن يملك طريقة جيدة في التفكير حتى يفشل في إجابة كثير من الأسئلة; لأن الطريقة السيئة في التفكير هي التي أنجبتها وحضت عليها.
وأحسب أن إصلاح نظامنا التعليمي يحتاج, في المقام الأول, إلى إصلاح السؤال نفسه, أي سؤال الامتحان, فإنَّ اختبار الفهم هو الذي ينبغي له أن يكون الغاية الكامنة في سؤال الامتحان.
والفهم, الذي لا يظهر ويتأكد إلا إذا هبط فيه منسوب الحفظ كثيرا, إنما يحتاج إلى سؤال, إجابته يجب ألا يكون لها من وجود مباشر في صفحات الكتاب, فإذا اقتضى الأمر أن تكون كذلك, فيجب ألا يسمح لهذه الإجابة بالظهور في ورقة الامتحان بالمفردات والعبارات نفسها, فإن الفهم, والذي هو خير وأبقى من الحفظ, أو من الحفظ عن ظهر قلب, لا يتأكد إلا بإلباس الفكرة نفسها, أو المعنى نفسه, لبوسا لغويا مختلفا.
إن قدرات من قبيل القدرة على الفهم والاستنتاج والاستدلال.. هي التي يجب أن تختبر في الطالب عبر سؤال الامتحان.
على أن هذا لا يعني, ويجب ألا يعني, أن يتوخى واضع السؤال التعقيد, تلبية لحاجة نفسية لا نراها إلا عند ضيقي الأفق, الذين يتبارون في تصعيب الإجابة على الطلاب, ضاربين صفحا عن الفرق الجوهري بين الذكي والغبي, فالذكي هو الذي يبسِّط المعقَّد, أو يكتشف البسيط في المعقَّد من الأمور; أما الغبي فهو الذي يعقِّد البسيط منها.
إن الطالب, والإنسان على وجه العموم, لا يملك, وليس في وسعه أن يملك, قدرات علمية مطلقة, فالاختبار العلمي والموضوعي لقدرات الطالب العلمية لا يمكن أن يكون من النوع الذي يفضي إلى علامة شبه كاملة لطالب ما في كل المواد الدراسية, فالطالب الذي يحصل على مثل هذه العلامة في الفيزياء والرياضيات واللغة والتاريخ والدين.. إنما هو خير دليل على افتقار الاختبار إلى معاييره الحقيقية.
والطالب من حقه أن يختبر الاختبار الأكبر في مادة دراسية بعينها.. من حقه, مثلا, أن يحصل على 50 في المئة من معدله العام من مادة دراسية ما, فهو يجب أن يظهر ويؤكد مقدرته العلمية في ناحية علمية ما وليس في كل شيء.
والطالب من حقه, أيضا, استعادة معلِّمه المقتدر المخْلِص الذي يبذل من الجهد في الصف ما يكفي طلابه شر الدروس الخصوصية, التي غدت مظهر فساد في نظامنا التعليمي, فالمعلِّم لا يعطي من جهده التعليمي الحقيقي في داخل الصف إلا ما يشدد الحاجة لدى كثير من الطلاب إلى دروسه الخصوصية, التي لا قانون تخضع له سوى قانون العرض والطلب.
لقد حان لنظامنا التعليمي والتربوي أن يتغير بما يسمح له بأن يتحول إلى قوة تغيير لإنساننا ومجتمعنا, فإن فيه من أسباب الموات الإنساني والديمقراطي والحضاري والاجتماعي ما يمنع الحياة والأحياء من الظهور فيه.0
jawad.bashiti@alarabalyawm.net